الفساد يُحيل عمارات شاهقة في بغداد الى مقابر جماعية

المراقب العراقي/ المحرر الاقتصادي..
لا تخضع جوانب الاستثمار والبناء في العراق الى أسس رصينة وقوانين نافذة، تراقب المنجزات على أرض الواقع، فغيابها كثيراً ما خلّف كوارث لا تزال شاخصة للعيان، في انهيار الطرق الداخلية والخارجية أو على مستوى التنفيذ السائب لأغلب البنايات في العاصمة بغداد والمحافظات، فسقوط عمارة على رأس ساكنيها قد يكون خبراً عابراً لكثرة ما يحدث، وقلة ما يرافقه من متابعة غائبة.
وبرغم الاعلان عن كارثة انهيار مبنى أهلي في الكرادة بالعاصمة بغداد، لكن الحدث الذي خلف عدداً من القتلى وبث الرعب في قلوب الناس، لم يتعدَ حضور فرق الانقاذ والدفاع المدني مع موقف حكومي ضعف وتصريحات فقيرة، يقول عنها مواطنون، انها واحدة من أسباب استمرار الخراب الذي تشهده المدن العراقية.
ويؤكد شهود عيان، ان المبنى الذي تهاوى في ساحة الواثق وسط بغداد، كان قد حذّر من انهياره معماريون في وقت سابق، نتيجة عدم مطابقته للمواصفات التي تجعله متماسكاً في المستقبل، لكن التغافل عن نصائح الخبراء، وندرة مراقبة الجهات المعنية ومحاسبتها، خلّفت كارثة لم تكن الأولى وربما ستلحقها العديد من البنايات التي يتم تنفيذها بأيادٍ قليلة الخبرة، وتعمل على وفق معطيات كلاسيكية منهارة، أسدل عليها الستار في الدول القريبة على أقل تقدير.
وفي هذا الصدد، قال المهندس المعماري علاء سالم لـ”المراقب العراقي”، ان مشكلة البناء والاعمار في العراق وخصوصا ما يتعلق بالجانب الأهلي، لا يخضع للضوابط والقوانين التي رسمت لتشييد العمارات والبيوت والمساكن العمودية، مشيراً الى ان أغلبها تُبنى بطريقة الاجتهادات الشخصية، التي لا تتناسب مع الوجه الحضري للمدن، فضلا عن غياب تام لفحص المواد التي تكون الأساس والدعامة الأولى في ديمومة وجود بناية شاملة في المواصفات.
ومضى يقول، انه “فضلا عن انعدام المتابعة لحركة الاعمار والبناء، تبرز بشكل واضح العشوائية في اختيار الأشكال الهندسية وصغر المساحات التي تُشيد عليها عمارة بأكملها، ما يخلف ثقافة جديدة دخيلة على الواقع العراقي”، لافتا الى ان “هذا الحال تسرّب الى البيئة العراقية بسبب غياب المتابعة الحكومية وتردي الوضع العام نتيجة الفساد”.
ويؤشر مختصون الى ضعف الاستثمار في العراق والطرق البدائية التي تعتري عمله، في الوقت الذي تؤسس في الدول مدارس خاصة وورش عمل مستمرة، لمواكبة الطابع الحضري والتقدم الذي يشهده العالم في هذا المفصل الحيوي، لكن المشكلة في الداخل العراقي الذي يعتمد على شركات وجهات غير رصينة، غالباً ما ينتهي بنتائج سلبية بعيدة عن الطموح.
ويُعد المختص مجيد الدهلكي وهو “مستثمر في مجال العقارات”، ان انهيار بناية وسط بغداد، يحيلك الى مخاوف أخرى قد تنتج ما يشبهها في المستقبل القريب بخصوص مجمعات سكنية ربما لا تختلف عن مثيلاتها اللائي تعرضن لانهيار مفاجئ، موضحا ان “المشاهد التي تتركها عمليات البناء في العاصمة، تشير الى فوضوية وعشوائية مُفرطة يغيب معها التخطيط العمراني والقوانين النافذة في المتابعة”.
ويحمّل مراقبون للمشهد كارثة ما يجري الى ممارسات الأحزاب الفاسدة التي تحاول تعميق حالة الانفلات وتحويل سلوكياتها في التعامل داخل جسم الدولة الى ثقافة، بعد ان عمّقت هيمنتها على مؤسسات الدولة، وأثّرت فيها بشكل مباشر، تسربت خلالها حالة التمادي على القوانين وغياب الرادع، مع وجود حكومة ضعيفة تحاول الاستمرار في سلطتها حتى ولو كان ذلك على حساب حياة الناس ومستقبلهم.
ويعوّل مواطنون على نهاية لعنة الفساد التي ترافق عمل المؤسسات وهيمنته على الواقع، مع وجود حكومة جديدة جديرة بتحمّل المسؤولية وردم هذا الغول الذي صار يتمدد وينخر حياة العراقيين، من دون رادع أو نوايا حقيقية لاستئصال مخلفات الماضي، من خلال الحزم في التعامل مع الملفات، وطمر ثقافة ارادات الأحزاب الفاسدة التي تريد ترسيخها في المجتمع لتمشية مصالحها المشبوهة.



