ليس القنبلة النووية.. ما الذي تخشاه “إسرائيل” من العودة إلى الاتفاق النووي؟

تصدرت وسائل الإعلام الإسرائيلية، في اليومين الأخيرين، تصريحات رئيس الحكومة، يائير لابيد، التي يقول فيها إنه أصدر أوامره إلى الجهات الأمنية المختصة بالاستعداد لمواجهة عسكرية. فهل يقصد مواجهة إيران، أم مواجهتها في سوريا، أم مواجهة حزب الله في لبنان؟
أرسل لابيد، خلال الأسبوع الماضي، كلاًّ من مستشار الأمن القومي الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، كذلك وزير الحرب، بيني غانتس، كما أرسل، هذا الأسبوع، رئيس الموساد إلى واشنطن، ويبذل جهوداً كبيرة للتحدث مع الرئيس بايدن لإبلاغه مباشرة نيات “إسرائيل” ومخططاتها العدوانية.
إضافة إلى ذلك، اجتمع يوم الإثنين الماضي مع رئيس المعارضة، بنيامين نتنياهو، لإطلاعه على قرارات الكابينيت السياسي-الأمني، وهو إجراء يتوجب على رئيس الحكومة القيام به عشية شن حرب، أو عدوان قد يتدحرج إلى حرب. فهل تقرع “إسرائيل” فعلاً طبول الحرب والمغامرة الكبرى؟
الرفض الإسرائيلي لعودة أميركا إلى الاتفاق النووي بين النص الدبلوماسي والجوهر الأيديولوجي والأهداف الاستراتيجية
من يتابع المواقف الإسرائيلية بنصوصها يعتقد أحياناً أن المؤسسة الإسرائيلية، بمختلف مركباتها، “مرتبكة” لدرجة “الهستيريا”. لكن مراجعة أخرى لمواقف هذه القوى، خلال العقدين الأخيرين، مما يسمى المشروع النووي الإيراني، مع الأخذ بعين الاعتبار وظيفة كل مركب من هذه المركبات، العسكرية والأمنية والسياسية، وعلاقاته الداخلية والخارجية، والظروف السياسية الضاغطة، لا يجد فارقاً كبيراً في الجوهر الأيديولوجي والاستراتيجي لهذه المواقف.
رئيس الحكومة، يائير لابيد، صرح أكثر من مرة، وتحديداً أمام الصحافيين الأجانب، أن “إسرائيل” ضد العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران “لأن هذا الاتفاق سيئ”. وفي محاولة لكسب الرأي العام الإقليمي والدولي. لم يكتفِ بذلك، بل أضاف “إنه سيئ لإسرائيل وللدول العربية الصديقة وللعالم، وسيقدم للخزينة الإيرانية مليارات الدولارات تصرفها على تعاظم قوتها العسكرية في إيران وفي الإقليم“.
وكان قبل ذلك قد اشترط على بايدن، خلال زيارته الأخيرة لـ”إسرائيل”، أن تضع أميركا في حساباتها الفعلية وتصريحاتها العلنية احتمال القيام بعمل عسكري ضد إيران. قبل ذلك، توجه إلى فرنسا وطالبها أن تقود تجنيد أوروبا إلى احتمال القيام بعمل عسكري ضد إيران.
لم يكن هذا هو موقف لابيد عندما كان في المعارضة لحكومة نتنياهو التي دفعت بإدارة ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق النووي. ولم تكن إدارة بايدن تتوقع من لابيد موقفاً كهذا عندما يصبح رئيساً للحكومة.
من هنا، يجب أن نفهم أن موقف لابيد هو موقف حكومي رسمي في الجوهر. أما النص الذي يقول إن معارضة “إسرائيل” للاتفاق “لأنه سيئ”، وليس معارضة لكل اتفاق فهو لا يختلف عن موقف نتنياهو، بل كان نتنياهو هو من صاغ هذا الموقف الدبلوماسي. واستخدمه لابيد تفادياً لأي صدام مع إدارة بايدن، الراعية لحكومته.
وزير الحرب، بيني غانتس، لم يترك الساحة السياسية ليائير لابيد، بل أدلى بدلوه أيضاً قبل سفره إلى الولايات المتحدة، وقال خلال جولة لمعهد دراسات السايبر والاستخبارات العسكرية: “إن أي اتفاق لا يعيد القدرات الإيرانية سنوات إلى الوراء، ويبقيها محدودة لسنوات طويلة في المستقبل، هو اتفاق يضر بالأمن القومي والإقليمي والدولي“.
الخطر الحقيقي هو امتلاك إيران، وأي دولة عربية، قدرات علمية بشرية وقدرات مادية كبيرة، يتم استخدامها بنجاح ضمن استراتيجية إقليمية ودولية للخروج من حالة التخلف إلى التقدم العلمي والتكنولوجي، للخروج من مجتمع الاستهلاك إلى مجتمع الإنتاج، من حالة التبعية إلى حالة السيادة والقيادة.
هذا ما يخيف “إسرائيل”، لأنها لا تستطيع العيش في هذا الشرق إلا بضمان الهيمنة السياسية والسيطرة على مقدرات الشعوب، وهذا يحتاج إلى دعم كامل من دول الاستعمار التي أنشأت “إسرائيل” مع ضمان تخلف عربي واستمرار الصراعات فيما بين العرب أو فيما بين المسلمين، سنة وشيعة أو عرباً وفرسا…إلخ.
لماذا تصر القيادة الإسرائيلية على التهديد باستخدام القوة؟
تصر القيادات الإسرائيلية كلها أن “إسرائيل” ليست طرفاً في الاتفاق، وأنها لن تلتزم به، هل حقاً ليست طرفاً؟ ونحن نشهد، للتاريخ، أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تفاوض إيران بدلاً من “إسرائيل”، ووفق الشروط الإسرائيلية، وتدفع بمصالحها في العلاقة بإيران، من أجل إرضاء “إسرائيل” و”ضمان أمنها القومي“.



