“النورس الوثائقي” مؤرشف ليالي بغداد وعشاقها

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …
يرى الناقد رحيم يوسف، إن الفنان الفوتوغرافي علي عبيد شريف المُلقب بـ”النورس الوثائقي”، استطاع إن يكون مؤرشف ليالي بغداد وعشاقها، خلال السنوات القليلة الماضية بكاميرته، التي ترصد كل شاردة و واردة للناس، في الأماكن التي يوجد فيها.
وقال يوسف في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: إن التطورات التكنولوجية المتسارعة في شتى المجالات، ساعدت في تطوير العديد من الفنون، والتي شهدت طفرات واسعة، وأفادت المشتغلين عليها ابداعياً، ولا يشتط عما تقدم فن التصوير الفوتوغرافي الذي انتقل منذ سنوات طوال من طابعه الوظيفي الى طابعه الفني البحت، فظهرت للعلن إبداعات وانجازات الكثير، والكثير جدا من الأسماء المبدعة في مجال الفوتوغراف عراقياً، بعد ان أسس الآباء الاوائل لهذا النوع من الفن، ولم يقتصر الابداع على أحد دون سواه، وأعني إذا كان المشتغل محترفاً أو هاوياً، فنتائج الابداع واحدة، لكنها قد تختلف من شخص الى آخر، تبعاً لإمكانياته، لكنها في جميع الأحوال وبعد التطور الكبير في آلات التصوير والعدسات وأجهزة الاضاءة…الخ ، تبقى بحاجة لعين مُدربة خلف الآلة، وكذلك لخبرة في اختيار المشاهد واللقطات، لكي تمتلك مميزاتها ابداعياً.
وأضاف: مع اختفاء ظاهرة المصور الفوتوغرافي الجوال، والتي كانت شائعة طلباً للرزق، أصبحت الحاجة ملحة لهذا النوع من المهنة، لتغطية المناسبات المختلفة كالفعاليات الثقافية من ندوات ومؤتمرات ….الخ، ومع وجود مصورين محترفين لدى الصحف والدوائر الرسمية، أصبحت معظم الفعاليات غير المؤسساتية بحاجة لمن يوثق فعالياتها، فظهرت في أسماء عديدة تصدّت لتلك الفعاليات، من أجل توثيقها تطوعياً، ولربما تتم المبادرة في بعض الأحيان لمساعدة المتصدّين لها، ومن تلك الأسماء على سبيل المثال لا الحصر، تبرز اسماء مصوري الفوتوغراف أمثال حمودي غريب، وحمادة البغدادي، علي عبيد شريف الملقب بـ”النورس الوثائقي” وآخرين.
وتابع: وانت تهم بالدخول الى مقهى أولاد رضا علوان في منطقة الكرادة ببغداد، يستوقفك بابتسامة ليلتقط لك صورة فوتوغرافية، سواءً أكان يعرفك أو لا يعرفك، ودون ان يطالب بثمن لعمله الذي دأب عليه منذ سنوات في منطقة الكرادة أو في المناسبات الجماهيرية المختلفة، وخلافاً عن ما تقدم فإنه يحمل آلة التصوير الخاصة به ليدوّن لحظات الآخرين حتى دون ان ينتبهوا لالتقاطاته البارعة التي يذهب معظمها لتدوين وتوثيق الصور الشخصية (البورتريه).
وواصل: لا أعرف من أطلق عليه لقب “النورس الوثائقي”، لكنه يستحقه حقا، لرشاقته وخفته وهو يتنقل لإداء عمله الطوعي، ولقدراته الفوتوغرافية التي سخرها للتوثيق، وأعني توثيق منطقة الكرادة التي هي جزء من المدينة التي اصبحت عشقه الدائم في وطنه الذي يعاني من جراح أبدية لا شفاء منها، فيبوح بذلك حين يكتب على صفحته الشخصية على موقع الفيسبوك:-
وطني رصيف
البيوتات الكبيرة يسكنها الغرباء
الشوارع مزدحمة بأسياد الوهم
لا توجد خطوط عبور
قد يدهسك أحمق وقد يسعفك مرور
وطني رصيف
رصيف وطني اصفر – تحذير –
ومنذ خمسين عاما وأنا ما زلتُ على الرصيف
وأكمل: انه ينظر إلى محنته الشخصية من خلال محنة الوطن الكبرى، ناظراً نحو التحولات الديموغرافية للمدينة، وهو يشخص من أسماهم (أسياد الوهم)، هؤلاء الأسياد الذين تحولوا بين ليلة وضحاها الى واقع لا يمكن اغفاله، وهو يراقب وطنه الذي تحول الى رصيف، وهو اختزال مرعب لهذا الوطن العظيم الآخذ بالتشتت والضياع، هذا الاختزال الذي يعني له رحلته التي امتدت لخمسين عاماً وهو مازال رهناً للرصيف المهمل قصدياً.
وختم: إن النورس وبعينه المُدربة خلف آلته الحديثة، تمكن من جمع أرشيف فوتوغرافي توثيقي كبير، كما فعل اباؤه الاوائل، سيتحول يوما ما الى إرث لهذه المدينة وعشاقها، التي أخذت تشيخ أمام ناظريه، بتبدلاتها العجيبة، انه يدون أفراحه وأحزانها على حد سواء، ويدون ما خفي منها عن الأعين، بعينه التي لا تهمل شيئاً يمرُّ به أو يبحث عنه.



