ثقافية

الواقعيَّة السحريَّة في المسرح

د. علاء كريم>>
الواقعية السحرية أو كما يطلق عليها الواقعية الرائعة التي تمتلك عناصر سحرية، هي أسلوب من الخيال يرسم نظرة واقعية للعالم الحديث، الذي يتعامل مع عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين الخيال والواقع. وقد يشير مصطلح الواقعية السحرية إلى الجانب الأدبي وما يجسده في النص، والذي يمتلك سحرية قد تكون خارقة للطبيعة وللظواهر التي تقدم في الوقت الحقيقي، داخل متن الروايات والعروض الدرامية.
على الرغم من تضمين بعض العناصر السحرية، إلا أنها تعد نوعاً مختلفاً عن الخيال، لأن الواقعية السحرية تستخدم قدراً كبيراً من التفاصيل الواقعية التي توظف عناصر سحرية لإثبات وجهة نظر ثابتة حول الواقع، رغم فصل بعض القصص الخيالية عن الواقع. وينظر في أحيان كثيرة إلى الواقعية السحرية على أنها مزيج من العناصر الحقيقية والسحرية التي تنتج أشكالاً مغايرة داخل النص المقروء والعرض الدرامي على خشبة المسرح.
تعد الأسطورة من ملامح الواقعية السحرية وعناصرها إذ أن هناك صلة وثيقة بين الفعل في الواقعية السحرية والأسطورة، لما لها من دوراً هاماً. ويؤكد العديد من الباحثين والنقاد على أن: الواقعية الســحرية تقوم على ثلاثة ارتباطات أو جوانب مهمة هي: الجانب العجائبي والجانب الخرافي، فضلاً عن الجانب الأســطوري، لأنه يشكل جزءاً مهماً في تكوين مخيلة الإنســان. كما تستخدم في الواقعية الســحرية عادة الرمز والتمثيل للتعبير عما في النفوس، خاصة إذا تعرض الإنسان أو المجتمع بنحو عام الى ظروف تحمل العديد من الإشكاليات السياسية والحكومية، فضلاً عن عدم الحرية في التعبير، فإن النصوص المسرحية التي تكتب بهذه الطريقة، تجري أحداثها في مجرى الواقعية الطبيعية التي قد تشهد وجود عنصراً ســحرياً غير طبيعي.
إن المتلقي المتابع لنصوص أو عروض مسرح الواقعية، يجد نفســه أمام عالم ساحر يواجه فيه أحــداث تتعلق بما وراء الفكرة الأساسية للكاتب وما وظفه من عناصر خيالية ضمن العالم الواقعي والطبيعة، وما يتقارب مع عناصر سحرية يحاول الكاتب أو المؤلف أن يخرق بعض التصورات حتى يجعل المتلقي أمام الواقعية السحرية وبين الخيال حتى يتمكن من إدراك أفعال الواقعية الســحرية، وايضا الواقع والخيال جنباً إلى جنب. وفي الحقيقة قد تمتزج الحياة اليومية للإنسان في المسرح مع عالم خيالي غير واقعي، لتعكس شكل وحجم الثقافة ومستوى تأثيرها على الجمهور.
عند مراجعة أعمال المخرج المسرحي الأمريكي الروماني المولد “أندريه سيربان”، نقف عند مصطلح “الخرافة الجديدة” الذي وجده بعض النقاد لأعماله. عرفت “الخرافة الجديدة” على أنها “أخذ الأساطير القديمة وتحويلها إلى حكايات أخلاقية”. مما أتاح ذلك الأسلوب الخرافي لـ “سربان” أن يجمع بدقة بين الشكل التقني وخياله الخاص، وذلك بوساطة اشتغالاته الإخراجية للأعمال الخرافية، كما يمكن لـ “سربان” أن يلهم الجمهور بالطيبة الفطرية والرومانسية عبر سحر المسرح، وما يمكنه من تجسيد لفعل الخرافة الجديدة، وتوظيف مُثله العليا المتمثلة في تحقيق هذا السحر، ليجد “سيربان” في هذا الجانب تجارب قد تحقق أمل في المسرح المعاصر. اشتهر “سيربان” باكتشافاته في فن التمثيل والإخراج، ايضا عُرف من خلال إخراج أعمال مثل “The Stag King” و “The Serpent Woman” ، وكلاهما خرافة تم تكييفها في مسرحيات لكارل جوزي.
إن أغلب النصوص المسرحية في الواقعية السحرية تعطي شكلاً للفوضى التي تميز التجربة، كما أن هذا النص له مزايا وخصائص وأسرار، فهو يسحرنا ويقززنا ويرهبنا ويستهوينا، يقدم لنا العالم، أحياناً، رقيقاً جميلاً، واضح المعالم، فنفرح داخله ونسعد، وأحياناً أخرى يقدمه لنا معقداً ومركباً لنتعب داخله ونشقى. وهذا قد يترك تساؤلات منها؟ لماذا نلجأ إلى الروايات والأفلام والعروض المسرحية على الرغم من علمنا أنها ليست واقعية؟ ولماذا نصدق ما تقوله ونتأثر بشخصيات لا وجود لها إلا في الخيال الذي يرسمه كاتب له فكرة محددة.
يقول عن ذلك إمبرتو إيكو: أننا نفعل ذلك لأننا: نريد أن نمسك بنسخة بسيطة من العالم الواقعي، ولا سبيل إلى ذلك إلا باللجوء إلى العوالم التي يقدمها لنا التخييل الذهني أو السردي حيث الحياة الهادئة، والخالية من آليات الضبط والتوجيه القدري الذي لا فكاك منه. ويؤكد أن كل: تخييل هو بطبيعته سريع، ذلك انه لا يستطيع، وهو يبني عالماً يعج بالشخصيات والأحداث، أن يقول كل شيء عن العالم، إنه يُلمّح، والباقي يأتي به القارئ الذي يقوم بفك الفضاءات المشفرة.
كما يؤكد “إيكو”: أن هناك أفكار عندما تتحول إلى حكايات يكون حضورها أوسع وأجمل. وهذ ما يسمى بالواقعية السحرية التي تصور أحداثاً خيالية بأسلوب واقعي يشتغل على الخرافات والحكايات الشعبية والأساطير التي لها أهمية اجتماعية معاصرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى