ثقافية

شيء عن قصيدة النثر

رياض العلي..

كانت صدمة اللقاء بين الشرق والغرب قد تمخضت عن نفور بعض المثقفين العرب من الثقافة العربية التقليدية او ما يسمى بالتراث ونزوع نحو تقليد كل ماهو غربي ومن الاشياء التي تم تقليدها هو الشعر.
وتقليد الناجح ليس شيئاً مذموماً اذا كان المُقلد ينوي تطوير ما تم تقليده، ويشترط في التقليد ان يبدأ بنفس الشروط التي كان عليها الاصل، ويتم بعد ذلك التطوير وفق رؤية جديدة ومبتكرة.
وبعد انتهاء عاصفة قصيدة التفعيلة التي اثارها فرسان الشعر في العراق، وظهور ترجمات للشعر العالمي الجديد الذي بدء بعد الحرب العالمية الاولى، وتوافر تنظيرات وقراءات نقدية هائلة لهذا الشعر، ابتدأت الموجة الجديدة للشعر على يد مغامري مجلة شعر التي أنشأوها في مقابل (تقليدية) مجلة الآداب، وسرعان ما انتشر هذا اللون من الشعر كالنار في الهشيم وسمي بقصيدة النثر.

بدايات مشجعة

موجة قصيدة النثر صارت كالمنقذ بالنسبة للكثير من الشعراء الباحثين عن كتابة جديدة تخلصهم من عبء الوزن التقليدي والتفعيلة السيابية، هذا من ناحية الشكل اما في المضمون، فالبداية كانت مشجعة لظهور نوع من الشعر يلائم التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، فالعدمية والعبثية والوجودية والحركات الطلابية والصراع بين القديم والجديد وبروز الحكومات العسكرية ذات التوجهات الثورية كل ذلك وغيره ادى الى التنظير الى هذا الشعر حتى بات الشعراء الذين يكتبون القصيدة العمودية كالخارجين من كهوف القرون الوسطى، ويُنظر اليهم كأنهم يرتدون طرابيش وعصا بريش ينشون بها ذباب التجديد.
وكان لترجمة كتاب سوزان برنار «قصيدة النثر» البوابة الصحيحة التي دخل منها الشعراء وعد وقتها كتابهم المرجعي الذي يرددون نصوصهم وفق مبادئه.

نمط جديد

أسس أنسي الحاج وتوفيق الصايغ والماغوط ويوسف الخال وجماعتهم، نمطاً جديداً في الشعرية العربية، ولكون ثقافتهم ذات طابع فرنسي فإنهم تلقفوا النموذج الفرنسي البودليري، ونسجوا على منواله الاسلوب الشعري الذي سيقلب الطاولة على الكثير من شعراء العمود، الذين قد انحسر تأثيرهم بشكل ملحوظ، وكذلك شعراء التفعيلة الذين بالكاد استطاعوا تثبيت اقدامهم واثاروا ما اثاروه من نقاشات ودراسات، لكن انسي الحاج وبعد سنوات طويلة ينفي تأثره في بداياته بقصيدة النثر الفرنسية.

ما دوافع مؤسسي قصيدة النثر العربية؟

كتب يوسف الخال بيان الكتابة الجديدة، وادونيس كتب عن مفهوم قصيدة النثر وفق تنظيرات سوزان برنارد اثر اطلاعه على هذا الكتاب بعد شهور قليلة من صدوره وأصدر أنسي الحاج ديوانه «لن» الذي قدم له بمقدمة تبشيرية مستعيناً بمبادئ برنارد، اذن كان هؤلاء لديهم رغبة جامحة في تجاوز نصوص مجلة (الآداب) والتي رأوا انها صارت كالقلعة الحصينة ضد كل جديد.

وكان الهدف الرئيسي لقصيدة النثر هو أن يكون الشعر ليس تعبيراً عن رؤية خارجية بقدر ما هو تعبير عن رؤية الشاعر الداخلية وتجربته الحياتية، وهذا الامر لم ينتبه اليه السياب مثلاً الا في النهاية حينما كتب «سفر ايوب» وما بعدها، فالسياب لم يتخلص من قيود الشعر التقليدي الا بعد سنوات طويلة، وربما قد انتبه الى ذلك بعد تفاقم حالته الصحية، وكذلك اطلاعه المؤكد على ما كتبه مؤسسو الشعر الحديث.

جهات خارجية

لكن هل صحيح ان هذه الموجة كانت مدفوعة بتوجيه من جهات خارجية كما كان يشاع؟
ثمة دراسات نقدية تناولت هذا التمويل الاميركي بالتحديد كنوع من الحرب الثقافية ضد توجهات الواقعية الاشتراكية التي بدأت تنتشر في الكثير من البلدان بتأثير من مثقفي اليسار العربي (أليس هذا تدخلاً خارجياً؟).

في كتاب «من الذي دفع للزمار» للكاتبة الانكليزية فرانسيس ستونر سوندرز الذي صدرت طبعته الانكليزية سنة 1999 الكثير من الوثائق حول تأثيرات المؤسسات الاستخبارية الاميركية في النشاطات الثقافية في مختلف دول العالم وليس في منطقتنا فحسب، ويبدو ان توفيق الصايغ قد أدرك هذه التأثيرات متأخراً فقام بإغلاق المجلة لكن الموجة الشعرية الجديدة لم تعد مقتصرة على مجلة شعر، بل امتدت الى شعراء كثر في مختلف البلدان وهؤلاء الشعراء لم يعرفوا أن مجلة شعر كانت مدعومة أميركيا، لكن قضية التمويل ليست ذات شأن بقدر رغبة سدنة الشعر الجديد في تقديم نموذج شعري يتجاوز التقليدية لكن في الوقت نفسه فإن هذا الشعر ابتعد عن الجماهير ونبذ فكرة الثورية او الالتزام الشعري كما روجت له مجلة الآداب، وصار مغلقاً على رؤية الشاعر الداخلية فقط، كنوع من الفردانية في مواجهة النزعة الجماعية التي عرف عنها الشعر العربي التقليدي.

اعتقد ان قصيدة النثر قد تطورت بشكل ملحوظ، وان كان البعض من شعرائها لم يغادر الاسلوب الطلسمي الملغز العصي على الفهم، وهو الاسلوب الذي أدى الى حدوث خندق طويل بين هذا الشعر والمتلقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى