من الذاكرة الدبلوماسية العلاقات الروسية العراقية.. بريطانيا رسمت السياسة الخارجية للحكومة الملكية

في عام 1920، بدأ الاهتمام الروسي بالعراق يظهر بشكل واضح وجلي ومن خلال مؤشرات رسمية، اذ عقد مؤتمر باكو في العام نفسه، إذ ركز إلى دعوة الفلاحين وتحريضهم ضد الدول الغربية وتشكيل الاحزاب الشيوعية والتي ترتبط بالشيوعية الأممية وتلتزم بقراراتها.
وتؤكد بعض الوثائق ان الحكومة العراقية والتي تشكلت بعد الثورة العراقية الكبرى 1920، قد حاولت بناء علاقات مع الاتحاد السوفيتي، ويفيد القنصل السوفيتي في تركيا ان ممثلاً عن الحكومة العراقية وصل الى تركيا لهذا الغرض.
وهنا اود ان اسجل ان هذا التاريخ لا يمكن عده بداية للعلاقات الدولية بين البلدين والتي تقتضيه العلاقات الدولية ان تقوم بين وحدتين سياسيتين كاملتي الاهلية، ولعدم تمتع العراق آنذاك بالاستقلال وخضوعه للانتداب البريطاني.
نال العراق الاستقلال الرسمي في 3 تشرين الأول 1932، وبهذا أصبح مؤهلا لان يقيم علاقات مع دول العالم ويرتبط معها، ومع ذلك لم يبادر العراق والاتحاد السوفيتي إلى اقامة أية علاقات بينهما، والراجح ان السبب يرجع الى ان العراق وبعد خروجه من الانتداب دخل في معاهدة مع بريطانيا في 30 حزيران 1930. أسست إلى تحالف وثيق بين البلدين، ونصت ضمن ما نصت عليه، اجراء مشاورات تامة بينهما في شؤون السياسة الخارجية جميعها وهذا على ما يبدو فرض على العراق قيودا أثقلت كاهله، وحدت من حركته وقراره السياسي ومن ثم أخرت نمو العلاقات الطبيعية للعراق مع بعض الدول ومنها الاتحاد السوفيتي.
وهكذا أصبح الأمر أكثر صعوبة أمام تأسيس علاقات عراقية سوفيتية طيلة عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته بفعل تأثير المعاهدات العراقية-البريطانية ووجود فئة سياسية مهيمنة على القرار السياسي في العراق وصاحبة النفوذ فيه، وترتبط بعلاقات وثيقة مع بريطانيا، وفي مقدمة تلك الفئة نوري السعيد الذي كان أول الرافضين لعرض وزير الخارجية السوفيتي لتفينوف (Letvenoof) عام 1930 بتبادل التمثيل الدبلوماسي بين العراق والاتحاد السوفيتي، بحجة أنعدام الدوافع الحقيقية، وان ذلك سيؤدي الى انتشار الدعاية الشيوعية في العراق.
وفي عام 1940، أبدى الاتحاد السوفيتي رغبته باقامة علاقات دولية مع العراق، وذلك بعد الزيارة التي قام بها كامل الكيلاني الى انقرة، ومقابلة الوزير السوفيتي المفوض، واعرب السفير السوفيتي عن رغبته وحكومته في تأسيس علاقات ودية بين البلدين الامر الذي عارضته بريطانيا بشدة.
وبعد اندلاع حركة أيار 1941، وفي ظل الظروف الدولية الجديدة التي أوجدتها الحرب العالمية الثانية، اراد قادة الحركة المعادية للسياسة البريطانية استغلال الوضع الدولي والتخلص من الهيمنة البريطانية، وبدأ التفكير باقامة علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي، ومن جانبه، عدّ الاتحاد السوفيتي الحركة موجهة ضد الاستعمار والامبريالية والفاشية وحاولوا استثمار ذلك.طلب قادة حركة أيار 1941، اقامة علاقات سريعة مع الاتحاد السوفيتي وضرورة تزويد العراق بالذخائر والاسلحة عن طريق المانيا، لكن الجانب السوفيتي لم يوافق بحجة لا يوجد بند بالاتفاقية الموقعة مع المانيا يسمح للسوفيت بتوريد الذخائر.ومما تجدر الاشارة اليه ان لحركة أيار وقعها على الاتحاد السوفيتي الذي اعترف بها وشجب المحاولات البريطانية لقلبها، وابدى السوفييت رغبتهم في مساعدة حكومة الدفاع الوطني، برئاسة الكيلاني وقام السفير السوفيتي بدور كبير لدعم ما يحصل في العراق، إذ دفع ذلك لأعتراف عدد من الدول بحكومة الدفاع الوطني مثل المانيا وايطاليا والمجر وبلغاريا ورومانيا.وكتبت صحيفة البرافدا السوفيتية في 19أيار1941 تعليقا على احداث العراق وقالت فيه “… أن حكومة فخامة السيد رشيد عالي الكيلاني قد وضعت شروطا لانهاء النزاع في حينه، الجلاء لجميع القوات البريطانية من العراق وقد اظهرت بهذا الكلام للجميع لكلا الفريقين المتحاربين في هذه الحرب الاستعمارية، ان الامم الصغيرة لا يمكن ان تكون دوما ساحات حرب بسهولة، كما كان يعتقد الانكليز”.بعد مفاوضات طويلة بين البلدين وصل الوزير المفوض السوفيتي كريكوري تينوفيتش زايتسف وكان ذلك في الثامن من شباط عام 1945، وقدم اوراق اعتماده مع رسالة للوصي من رئاسة المجلس الاعلى لاتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. ولكن الحكومة العراقية تأخرت في ارسال بعثتها حتى العام 16تشرين الأول1945 إذ عُين عباس مهدي اول وزير عراقي مفوض لدى الاتحاد السوفيتي، وكان يعمل قبل ذلك سكرتيرا في المفوضية العراقية في طهران.
ويبدو ان الحكومة العراقية ترددت في أرسال بعثتها لحين انتهاء غبار الحرب العالمية الثانية، وانتظار نتائجها، وربما انتظار الموقف البريطاني والذي اتضح بعد الحرب، إذ انفرط عقد التحالف البريطاني السوفيتي، والذي انعكس بعد ذلك على طبيعة العلاقات العراقية السوفيتية.




