اراء

حين يتحول الفساد إلى نظام

بقلم / باسل عباس خضير..
الفساد الإداري ظاهرة موجودة في الكثير من البلدان ، وتلك حقيقة يدركها الجميع لأنَّ مَنْ يمارسه الإنسانُ، والبشر يختلفون فيما بينهم من حيث الانحراف والالتزام والنفوس أمارة بالسوء ، وما يفعله أغلب البلدان هو اتخاذ إجراءات لتقليص الفساد لأدنى المستويات بتدابير وقائية بضمنها تحويل الأعمال اليدوية إلى أخرى يقل فيها الاجتهاد غير المرغوب من خلال إدخال أحدث التقنيات لمنع وقوع الفساد ، كما تفرض إجراءات رادعة على من يمارسه بأي شكل من الأشكال ، والحال عندنا بدأ يختلف عن منهج تلك المجتمعات فهو يتمدد طولا وعرضا وأخذ يتحول لممارسات تسود أغلب المنظمات ليتحول إلى نمط معتاد في التعاملات ، والأخطر من ذلك تحوله لفساد نظامي من خلال تورط مستويات عديدة في ممارسته وتقاسم غنائمه وكأنه حالة استحقاق وبالذات في الدوائر الحكومية والخدمية التي تتعامل مع المواطنين ومصالحهم وشؤونهم بمختلف المجالات ، ومن الأشكال الشائعة تأطير الفساد بأطر نظامية وإدخالها ضمن شروط إنجاز المعاملات ، يتم من خلالها تحويل الاجتهادات إلى سياقات من خلال إجبار المواطن بمراعاة طلبات الفاسدين وتغليفها بأغلفة رسمية باستخدام ( صحة الصدور ، الوكالات ، المعقب ، التأييد ، براءة الذمة ، التصديق ، الشهود ) وغيرها من القيود التي يضيفونها والتي تجبر بعض المواطنين ( فردا أو منظمة ) للدفع اضطرارا من أجل إنجاز المعاملة لضمان عدم عرقلتها من قبل الفاسدين ، ولا نحتاج لذكر أمثلة على ذلك لأن العديد من دوائرنا يمارس فيها الفساد والغالبية تجاريه خوفا من التعقيد وفقدان الحقوق ، وهي قضية موجودة ويعاني منها الكثير وقد نشر غسيلها القذر في الإعلام ويتم تداول تفاصيلها في القنوات الرسمية لإيجاد حلول بديلة له ، إلا أن الفساد يستشري هنا وهناك وينخر الجسد الحكومي متخطيا العديد من الإجراءات ليجد أماكن لاختراقها وشمولها بالفساد .
والأقبح في ممارسة الفساد تكمن في أن ممارسيه يتقاضون رواتب ومخصصات وحوافز وأرباحا تصل عند البعض لأضعاف ما يتقاضاه أقرانهم في وظائف بنفس المواصفات أو العناوين وتتطلب قدرا أوسع من المهارات والأخطار ، ومن تعقيدات هذا الموضوع جعل المواطن تحت الاضطرار في إخضاعه للابتزاز فحين يتبع الطرق السليمة يجد تشددا أكثر في تمشية أموره لحد إجباره للرضوخ لطلبات الفاسدين وولوج المعقبين والوكلاء وغيرهم الذين يحول بعضهم الفساد من شكله المتكتم إلى الشكل العلني بالمساومة على ما تتطلبه معاملته من الدفع بأرقام حقيقية أو بإضافات الوسطاء ، ومن الغريب في أمور الفساد أن التقنيات التي أدخلت للتسهيل كالبرامج والحاسبات يتم استثمارها لإضافة مزيد من التعقيد ، كما أن من المحزن أن تكون أغلب الدوائر مغطاة بكاميرات الرقابة على الموظفين ولكنها تتخطى مخالفات الإخفاء أو أن شاشاتها توضع في غرفة المسؤول الذي غالبا ما ينشغل بتمشية الأمور وإنجاز المعاملات والمقابلات ، وفي بعض الاحيان تعقد شراكات بين المرتشي والمشرف والمراقب للتغطية على الفساد وتقاسم المردودات ، ورغم أن أغلب حالات الفساد يمكن رصدها والتصدي لها ومعالجاتها بمجموعة الإجراءات إلا أنها تنمو وتزداد لما تتضمنه من مغريات وبعضها محمية من المنتفعين أو كمخرجات من سوء اختيار الإدارات ، وهي بذلك تتحول من شكلها الفردي إلى شكل النظام رغم الذي تتضمنه من خسة ونذالة وخروج عن الدين والعرف والقانون ، ليس القصد مما نذكره المس بالنزيهين والشرفاء وإنما نبغي المعالجة لأن أدواتها تتعقد يوما بعد آخر لتحول الفساد وكأنه سلوك معتاد تعذب فيه روح المواطنة وتحبط الأعمال وتغتال اقتصاد البلاد .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى