ثقافية

سحر المدرسة البغدادية في أعمال التشكيلية مينا الصابونجي

 

المراقب العراقي / المحرر الثقافي …

يرى الناقد رحيم يوسف، ان أعمال التشكيلية مينا الصابونجي، تمثل أحداثاً ووقائع مُستلة من ذاكرتها، التي تحوّلت إلى داعم صوري، تبثه على سطوحها التصويرية، التي تمثل سحر المدرسة البغدادية.

وقال يوسف في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: أحيانا يُولد الانسان، وهو يحمل بذرة الفن بداخله، كموهبة إلهية يسعى إلى تطويرها مستقبلا، وفي أحيان أخرى يميل الى الفن من خلال المحيط الخاص به حيث يعيش، الفنانة التشكيلية مينا الصابونجي المولودة ببغداد لعائلة ذات جذور موصلية، وهي عائلة تعيش أجواء الثقافة والفنون ذات تخصصات مختلفة، فتعلقت بالفن منذ الصغر، حفزها لذلك جيرة العائلة لمجموعة من الفنانين الكبار (سعاد وليلى العطار وخالد القصاب وبتول الفكيكي وراكان دبدوب)  وكذلك علاقة العائلة بالفنان الكبير محمد غني حكمت  الذي اهداهم  جدارية زيّنت احد جدران البيت، فشغفت بالفن ودرسته عملياً ونظرياً على أيدي الفنانين الدكتور ثامر الناصري والاسم محمد، فأصبح الفن شغلها الشاغل لتتفرغ له كليا بعد هجرة العائلة الى عمان وهي العائلة في احد حواراتها بان (الفن التشكيلي يعني لغة وحياة وثقافة) ولذلك كرّست حياتها للفن حيث تعيش في عمان.

وأضاف: يميل البعض الى عدم التمييز بين الفن النسوي وما يقابله من إنجازات تتم على أيدي الفنانين من الرجال، على اعتبار ان المنجز يعد كلاً واحداً وهو يمثل التشكيل العراقي، وهذا رأي لا غبار عليه، لكن ثمة ميزة في معظم الأعمال الفنية المنجزة نسوياً انها تميل باتجاه نوع من الرقة والترافة لونياً وأسلوبها وحتى في الموضوعات التي تمثلها تلك الأعمال ، وهذا الميل لا يعد نوعاً من السبة، إلا انه ميزة واضحة ذات حدين، لأنها قد تكون نوعاً من عدم اتضاح الرؤى في بعض الأعمال، لكنها في أعمال أخرى تنبئ عن امكانيات فنية متطورة مدعمة برؤى جمالية مدهشة.

وتابع: إذا كان العمل الفني موضوعاً مستقلاً وتصوراً عقلياً يكشف عن الحقيقة بحسب الإيطالي (كروتشة) فان اعمال التشكيلية العراقية مينا الصابونجي، تمثل تطابقا مع هذا الرأي المهم من خلال محاولاتها الجادة في تمثيل أحداث وقائع مستلة من ذاكرتها التي تحولت إلى داعم صوري تبثه على سطوحها التصويرية التي تمثل الترافة الانثوية، وهي تعمل على مشروعها الجمالي، هذا المشروع الذي اختطت به اسلوبيتها المتميزة التي تعمل عليها ضمن نطاق المدرسة البغدادية والمعروفة بمرجعياتها التاريخية عراقياً منذ أن عمل عليها جيل الرواد تأثرا برسومات الواسطي كما هو معروف ، لكنها تمكنت من إيجاد حيّز لها في زحمة المشتغلين بهذا الأسلوب عبر مشخصاتها التي تمتلك اختلافها شكلياً عن الآخرين واستخداماتها اللونية التي تشير لها بوضوح عند النظر للوهلة الاولى لأعمالها المنفذة على سطوحها التصويرية التي تعج بترف لوني باذخ.

وواصل: ليس ذلك فحسب بل انها تفصح عن بغداديتها عبر ارتباط حبلها السري الابدي ببغداد الساحرة التي عاشت بها وتكونت فيها شخصيتها الفنية من خلال عنوان أول قاعة عرض افتتحتها في عمان، حيث تعيش الآن وعنوانها (سبع عيون) هذا العنوان الذي يرتبط بالذاكرة الشعبية البغدادية بأحد ايقوناتها الشعبية التي كانت توضع في معظم البيوت البغدادية، لاعتقاد راسخ وضارب في القدم لدى العراقيين باعتبار الايقونة طاردة للحسد ، والقاعة التي تقول بانها انشأتها لمساعدة الفنانين في طرح مشاريعهم الفنية كما تفيد بأحد لقاءاتها المنشورة في الميديا، وهذا ما يشير الى احساسها بالمسؤولية تُجاه الفنانين الذين يودون طرح مشاريعهم الفنية للجمهور.

وأشار الى إن الصابونجي التي لم تكتفِ بأعمالها البغدادية المدهشة ، بل تعدت ذلك الى انتاج أعمال نحتية وخزفية لا تقل ادهاشاً عن اعمال الرسم ، فهمت في نتاجها الخزفي الى انتاج اعمال خزفية، تشير الى اهتمامات هندسية وزخرفية لكنها لا تخرج بعيدا عن تأثيرات الموروث الشعبي العراقي مع ان تلك الأعمال احادية اللون بالمجمل إلا ان ذلك لا يقلل من حجم الجهد المبذول في إنتاجها ولعلها بحاجة إلى بذل جهود أكبر من أجل تطوير ادائها خزفياً، أما إنتاجها في مجال النحت فيفصح عن مقدرة قابلة للتطور من خلال الكتل النحتية التي طرحتها والتي تمثل تكوينات تجريدية تمتلك أسرار دهشتها ، ومثال آخر لتلك الأعمال (نصب السوسنة) الذي اهدته الى بلدية عمان، ونصب في الدوار الرابع على حسابها الشخصي .  

وختم: في أعمالها البغدادية التي تمتلك تميزا واضحا كما أشرت سابقا ، تعمد الى لغة تجريدية بصرية واضحة، هذا التجريد الذي يوائم ميولها النفسية لحظة الخلق، فيبدو على الشخصيات نوعاً من السكون الذي يخبئ خلفة قلقاً نفسياً واضحاً يمثل نوعا من محاولة الانعتاق من واقع افتراضي، ومع وجود مشخصات متعددة على سطوحها التصويرية إلا انها تميل الى تشخيص النساء بأوضاع مختلفة، انتصاراً لحسها الأنثوي ومسؤوليتها كفنانة وأنثى في الدفاع عن بنات جنسها، بحثا عن تحقيق  حريتها ، كما انها تميل الى تجسيد تلك المشخصات بثنائيات هي أقرب لخلق التوازن التشخيصي على السطوح التصويرية، أخيرا فان الفنانة بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد والمثابرة للعمل على التخلص من التأثيرات المرجعية للمدرسة التي تعمل عليها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى