إقتصادياخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدرعربي ودولي

سوريا غائبة عن الخطاب .. حاضرة في التفاصيل

 

 

المراقب العراقي/ متابعة..

في السنوات الأخيرة، استعرض العالم، وجهين للإمبراطورية الأمريكية؛ هما وجه كلاسيكيّ يُشبه تاريخها القريب والبعيد، لم يبقَ منه سوى الصّوت العالي وبعض الأنياب التي نخرها التسوّس، والتي لا تُخيف سوى من استمرأ الرعب واعتاده، ووجه واقعيّ ملامحه واضحة، تعكس شيخوخة الجسد واضطرابه وارتباكه، مع صوت خفيضٍ يصدح بلغة الأيام الخوالي.

وإذا كان دونالد ترامب قد استطاع قبل سنوات قليلة، أنْ يعكس صوريّاً الوجه الغابر للإمبراطورية، ولكن لا يمكن لأحد أنْ يختصر وجه أمريكا الحقيقي هذه الأيام، ويعكسه في واجهةٍ آدميّة من لحمٍ ودم أكثر من رئيس الولايات الأمريكية الحاليّ جو بايدن، الذي يحضر إلى منطقتنا هذه الأيام ممثّلاً لقوّة عالمية تدميريّة متهالكة، بالكاد تجرّ قدميها، في محاولة بائسة لإعادة ضرب القدم الوحشية في منتصف الأرض العربية، ومحاولة القول: إننا هنا. 

لم يستطع بايدن أن يكسب اللغة الأمريكية بعض جبروتها المعتاد وهو يتحدث عن زيارته إلى الشرق الأوسط، فالحديث عن إعادةالنفوذ الأمريكي في المنطقة إلى سابق عهده هو إقرار بوجود تغيير كبير على هذا الصعيد، واعتراف بفقدان الكثير من عناصر قوة ذاك النفوذ وأدواته. 

صحيح أنّ سوريا غابت عن جلّ التصريحات الأمريكية المتعلقة بالزيارة، إلّا أنّها حاضرة بقوة خلف كل كلمة وتصريح، وخصوصاً أنّ الكلام كلّه كان عن إسرائيل ودعمها ودمجها في الإقليم، وعن إيران وخطرها وضرورة مواجهته، وعن تثبيت الهدنة في اليمن، وملفات الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

إنّ سوريا تقع في قلب كلّ هذا، بل هي ميدان رئيسٍ لكلّ هذا، وإنْ غابت عن اللغة، ذلك أنّ العالم استعرض بدوره في السنوات الأخيرة، وجهين للمنطقة العربية والشرق الأوسط؛ هما وجه كلاسيكيّ خانع ومُسيّر يتلقى الأوامر بلا أدنى إرادة، ووجه صاعد بكامل إشراقته وملامح قوّته.

وقد نُحِت الوجه الصاعد على الأرض الشاميّة بتضحيات السوريين، ومعهم كلّ من ذكرهم الأمريكيّ وذكّر بهم بوصفهم خطراً، وعلى رأسهم إيران وحركات المقاومة العربيّة، إلى جانب الروس الذين يقع اسمهم على رأس الأولويات الأمريكية في هذه الزيارة وخارجها.

وإذا كان جاك سوليفان، مستشار الأمن القوميّ الأمريكيّ، حدّد أولويات الزيارة في عدّة أهداف، أبرزها التصدّي للخطر الإيرانيّ المتعدد الجوانب على حدّ تعبيره، والسعي لدى تل أبيبوالعواصم العربية التابعة للعمل بجدّ وبسرعة على دمج كيان الاحتلال في المنطقة العربية وبحث ملفات الطاقة بسرعة أكبر أيضاً، لمحاولة تعويض الغاز الروسيّ الذي يُهدّد الغرب كلّه بشتاءٍ اقتصاديّ وسياسيّ قارس، فإنّ جون كيربي، منسّق الاتصالات الاستراتيجيّة في مجلس الأمن القوميّ الأمريكيّ، تحدّث عن هدف الاستقرار الإقليميّ“.

أما وزير الحرب الصهيونيّ، بيني غانتس، فقد استبق زيارة جو بايدن إلى تلّ أبيب، ليعلن عزم الأخيرة على حثّ الرئيس الأمريكيّ وإدارته على الدفع بقوّة باتّجاه إنشاء قوة عسكريّة مع الشركاء في المنطقة (دول الخليج والأردن ومصر) لمواجهة إيران، من خلال نشر منظومات دفاع جويّ متطورة على حدود كل الدول العربية القريبة من دمشق وطهران، وهو أمر يخصّ الدولة السورية وشعبها بشكل مباشر. وقد سبق الحديث عنه والشروع في خطواته الأولى زيارة بايدن بالتنسيق التام مع البنتاغون والبيت الأبيض.

وفي حين يتحدّث قادة كيان الاحتلال، كما قادة الكيانات العربية الخاضعة للإدارة الأمريكية والإسرائيلية، عن خطر إيراني كبير من جهة سوريا، ويضيف الأتباع العرب، العراق واليمن إلى قائمة الجبهات الإيرانية، فإنّ الزيارة، بأولويّاتها وأجندتها المعلَنة، هي تظهير رسميّ للمشروع الأمريكيّ المستجد للمنطقة، والموجّه ضد دمشق والقدس وبيروت وبغداد (الحشد الشعبيّ) وصنعاء وطهران، وليست الأخيرة سوى الاسم الرسمي المُعتَمَد إعلاميّاً، الذي يضمّ في تفاصيله كلّ أعداء واشنطن وحلفها العربي وكيان الاحتلال المذكورين أعلاه.

لم يتطرّق جو بايدن في مقاله الذي سبق الزيارة، كما لم يفعل أعضاء إدارته، إلى الموضوع السوري، على الرغم من وجود قوات أمريكية تحتل أجزاءً من الأرض السورية، وتنهب بشكل يوميّ قمح السوريين ونفطهم وغازهم، وتدعم حركات انفصالية تسعى إلى تفتيت سوريا.

مع ذلك، يدرك السوريون أنّهم هدف رئيسٍ لزائر المنطقة ومستقبليه، فالمشروع الأمريكيّ القديم الذي أراد خلق شرق أوسط إسرائيليّ جديد من دمشق، التي وجبَ إسقاطها وأخذها مُكبّلة ذليلة إلى تلّ أبيب، فشل في تلك الأرض، حيث العاصمة العربية الأخيرة في هذا الشرق التي ما تزال تقاوم، وهناك أيضاً تكمن القوة الرئيسة لمحور المقاومة وحلفائه.

وهناك غرفة العملياتالتي تتصدّى وتقاتل وتُفشل المشاريع، وتوصل الأسلحة المتطورة إلى الجبهات الأمامية داخل فلسطين المحتلة، وهناك الامتداد الجغرافي والسياسيّ والمقاوِم للشواطئ السورية واللبنانية والفلسطينية التي تختزن كلّ كميات الغاز التي من شأنها أنْ تُشكّل طوق النجاة الأسرع للغرب المريض المترنّح أمام الضربات الاقتصادية الروسية والصينية، فكيف لا تكون سوريا في قلب الزيارة، وفي رؤوس أصحابها ؟.

لقد أفشلت سوريا المرحلة الأولى من المشروع الأمريكيّ الحالي، وهي المرحلة التي تعهّدتها بعض العواصم الخليجية، بدفعٍ وتخطيط من واشنطن وتل أبيب، والتي هدفت إلى استيعابسوريا المحاصرَة، من خلال عرض العرب لـجَزَرة الخلاص خاصتهم، حيث المَنّ والسلوى والتعويم السياسي والإعلاميّ، وإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، في مقابل طرد الخبراء الإيرانيين ووقف التنسيق العسكريّ والسياسيّ والاقتصاديّ بين البلدين، وبالتالي فكّ الحلف مع طهران، ووقف دعم حركات المقاومة في فلسطين المحتلة والإقليم، بل إنّ الإسرائيليين نفسهم تعهّدوا أمام وسيطهم العربي (الإماراتيّ) إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قواتها من الشرق السوريّ، وإعادة كلّ آبار النفط والغاز وحقول القمح إلى الدولة السوريّة.

لقد كان، وما يزال، مفتاح نجاح المشروع الأمريكي برمّته، كما مفتاح فشله، يكمن في سوريا، لكن دمشق التي أنصتت جيّداً إلى الإماراتيين، ردّت بوضوح في طهران، حين زار الرئيس السوريّ بشار الأسد العاصمة الإيرانية، وأعلن من هناك بوضوحٍ شديد مع حلفائه الإيرانيين، أنّ مشروع المقاومة والتحرير والتحرّر السياسيّ والاقتصاديّ هو الأولويّة الوحيدة حاليّاً للعاصمتين.

وحين أدركت واشنطن وحلفاؤها في تلّ أبيبوأدواتهما العربيّة، أنّ هذه المرحلة سقطت بالضربة السوريّة القاضية، اضطرّت إلى العودة بخطوات بايدن المتثاقلة إلى المنطقة، لتشرع في محاولة تقديم الخطة البديلة بما أضافته إليها المواجهة العالمية في أوكرانيا، والتي تقوم على نسق واحد فقط، هو نسق العصا، ومستويات الأمن والقوة العسكريّة والحصار الاقتصاديّ، وهو ما دفع العدو الإسرائيليّ إلى تصعيد اعتداءاته على الأراضي السوريّة في الأشهر الأخيرة، ودفع لاحقاً قادة الدول العربية ذاتهم إلى التصعيد الإعلامي والسياسيّ في دمشق، والعودة إلى اللغة السابقة التي ترفض أيّ تقارب مع سوريا.

لقد أعلن أكثر من مسؤول سعودي وقطريّ رفيع في الأيام القليلة الماضية، رفض بلاده عودة سوريا إلى الجامعة العربية، وبالتالي تعطيل أيّ اجتماع عربي لبحث أوضاع البلدان العربية، وعلى رأسها سوريا، في الوقت الذي تمكّن الرئيس الأمريكي بسهولة شديدة، من دفع هؤلاء العرب إلى الإعلان عن عقد قمّة مجلس التعاون الخليجيّ بحضور مصر والعراق والأردن، تحت رعاية بايدن وبحضوره المباشر خلال زيارته للمنطقة التي شملت زيارة رئيسة للسعودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى