“للآن ألتمس بريقًا”.. الدفاع عن الإنسان كقيمة أخلاقية عليا

المراقب العراقي / المحرر الثقافي …
يرى الناقد والشاعر داود السلمان أن الشاعر وليد حسين في ديوانه “للآن يلتمس بريقًا” أراد أن يترجم مشاعر وعواطف الإنسان باعتباره ينتمي إلى الانسانية قبل الانسان، وهدفه الدفاع عن الانسان كقيمة أخلاقية عليا.
وقال في قراءة نقدية خص به ” المراقب العراقي”: إن المجموعة ضمت اثنين وثلاثين نصًا شعريًا كتبها الشاعر بلغة مجازية تعبّر عن خيال الشاعر الخصب، وفي ذات الوقت تعكس معاناته ،وسط عالمنا الغامض ، الذي تسوده تراكمات الحياة الفجّة، ومعاناة الانسان اليومية بضجيج متخم في حالة من الغموض والضبابية، والصورة الكالحة لمجريات هذه الحياة.
وأضاف : إن الشاعر وليد حسين، كأنه في نصوصه هذه، أراد أن يترجم مشاعر وعواطف الإنسان، أينما كان ، وأينما حلّ ، باعتبار الشاعر ينتمي إلى الانسانية قبل الانسان، وهدفه الدفاع عن الانسان كقيمة اخلاقية عليا، فالشاعر هو الذي يمتلك احساسًا اكثر من سواه، فهو يعطي الكلمة قيمتها الحقيقية على وفق تعامله اليومي المستمر مع هذه الكلمة، ومن خلالها ينسج تراكما معرفيّا عبر نصوص تحمل مشاعر جياشة، تدل على وجود الضمير النابض المتقد، الذي يسكن في كيان الشاعر.
وتابع : إن كافكا وصف الحياة بأنها عبارة عن هذيان داخلي لمعنى غائب، الحياة عبارة عن ضبابية غير واضحة المعالم، لذلك فأن بطل قصة “المحاكمة” أضاع سنوات عمره في محكمة صورية وفق تهمة لا يعرف هو عنها شيء، بل لا يدري ما هي الجناية التي حوكم من اجلها!؟.
وأشار الى أن هذا المعنى، الذي اراده كل هؤلاء الفلاسفة، هو عين ما عبّر عنه الشاعر وليد حسين في هذا النص، بل واراد التكرار كي يترسخ في ذهن الانسان عموما : إن الحياة التي يقتل بعضنا بعضا عليها، هي هذه بتفاصيلها المملة.
أما في نص “من زاوية أخرى” وهو نص من نفس المجموعة، فنقرأ فيه:
“أتسوق الاقدار…
في غياب الكسل…
المخيّم على أنوفنا المشرعة بالسعادة…
لأرى أصر السعادة…
من زاوية أخرى…
دون حدس نفعي”.
يقول دوستويفسكي: “إذا أريد إهلاك إنسان، ومعاقبته بفظاعة، وسحقه سحقاً شديداً، حدّ أن يرتجف أمام هذا العقاب ويرتاع منه سلفاً حتى أعتى القتلة، يكفي أن تضفي على عمله صفة عدم الجدوى تماماً، لا، بل العبثية ويضيف في روايته “ذكريات من منازل الأموات”: “إن الإنسان مهما يصغر يلحّ غريزياً على احترام كرامته كإنسان. لا يعيش أي إنسان دون هدف ما ، ودون جهد يبذل من أجل الوصول الى هذا الهدف. ومتى غاب الهدف وزال الأمل ..؟ فإن القلق غالباً ما يجعل من الإنسان وحشاً…!”.
فالأقدار التي تحيط بالإنسان من كل حدب وصوب، لا يمكن للإنسان الانفكاك عنها، طالما يعيش في بحبوحة لا تتسع لآماله وتؤمن مستقبله، وهو خير من عبر عنه وليد حسين في هذا المقطع من النص.
وواصل : وفي النص الذي جعل منه عنوانا للمجموعة، أني “للآن..ألتمس بريقا”. نقرأ أيضا:
“في عزوف اللحظة..
كيف علقنا..!..
وأيامنا مزدحمة بانعكاسات المرايا المصقولة..
تتسربل..
بمواربات شتّى…
نعلّق صور الشهداء صباحًا…
وننساهم آخر الليل… المدينة ماضية بهراء الوقت…
والذكريات تضجّ بملامح طوفان”.
ويختم النص بقوله: “لا تبحثوا عن جيوب الخونة… وحفّاري القبور…
لكي توصدوا باب الخصومة”.
وأكمل : يمكن أن نفهم من هذا النص على أنه جُمل من مفاهيم أخلاقية، صاغ منها الشاعر نصا أدبيا، هو تعبير مجازي عن عالم متشظٍّ وسط احتدام فكري يعصف بالعالم، ويسير ضمن ايديولوجيات مستهلكة غاب عنها الوعي، بسبب تردي الذات الفاعلة لتغيير الضبابية المتمثلة في طمس هوية الإنسان، وكينونته المستلبة.
فيعتقد نيتشة: أنّ “في بعض الأحيان، لا يرغب الناس في سماع الحقيقة لأنهم لا يريدون أن تتحطّم أوهامهم”. فالحقيقة التي عبّر عنها الشاعر في هذا النص، هي بمثابة المسكوت عنه، إلّا أنّ وليد حسين لا يهمه ما سوف يقال بحقه طالما افصح عمّا يريد قوله، وجعل من الأمور أن تجري أعنتها.
وختم : وآخر نص في هذه المجموعة عنونه الشاعر تحت عنوان “ثمّة حدسٌ”، فنقرأ فيه:
“كُلما حاولت العبور… نظرت إلى جهة مكتظة.. فأغلب المسالك محفوفة بالمخاطر…
في طفولتي كان البعض يرمقني بعينين جاحظتين.. وينعتني عبثًا… بالفوضى”. ونجد، في هذا المعنى، المصاحب بالحذر، صورة شعرية مغايرة لوليد حسين لما كتبه سابقا من مجاميع أخرى، سبقت هذه المجموعة، فالمعنى الذي أراد قوله الشاعر: إنّ المخاطر التي تكتنف الحياة، أو قُل بالأحرى تكتنف الإنسان كانت وما تزال، مخاطر جسيمة، منها قسوة الطبيعة ثم قسوة الإنسان نفسه، من الذين يتصدون للإنسان الأعزل ويجعلون حياته عبارة عن تراكمات من المحن، لها أول وليس لها آخر، الأمر الذي اشاع في وسط الفلاسفة بتبنيهم فلسفة التشاؤم، حيث يغورون في تلك الضبابية.



