اراء

حقل “كاريش” والخط 29.. لماذا وضع لبنان نفسه في هذا الفخ؟

 

 

بقلم/أليف صباغ ..

في 19 نيسان/ أبريل 2019، أعلنت الشركة اليونانية – البريطانية، “إنرجين” للنفط والغاز، والتي تبيع أسهمها في بورصات “تل أبيب” ولندن، عن اكتشاف كمية هائلة من الغاز الإضافي في حقل “كاريش” الشمالي، على بعد 90 كم من حيفا، تتراوح ما بين 1 و1.5 ترليون متر مكعب، أو ما يعادل 28-42 ترليون قدم مكعب، وهذا يضاف إلى الكمية الأساس في حقل “كاريش” التي اكتشفت من قبل والتي تبلغ 45 ترليون قدم مكعب.

في أعقاب هذا الاكتشاف الجديد، ازدادت شهية الشركة ومن أوكلها في التنقيب (إسرائيل)، كما ازدادت حدة التوتر بين “إسرائيل” ولبنان، وتدخل المبعوث الأميركي الجديد للوصول إلى تسوية بين الطرفين بعيداً عن القانون الدولي الخاص بترسيم حدود البحار والثروات الاقتصادية، وذلك لأن “إسرائيل” لم تصادق على المعاهدة الدولية، ولأن الوسيط الأميركي الصهيوني عاموس هوكشتاين، يمكن أن يخدمها في حين أن القانون الدولي يقف إلى جانب لبنان في تحديد خطوط الحد البحري

قَبِل لبنان بالمبعوث الأميركي رغماً عنه، ولم يتوجه إلى المحكمة الدولية دفاعاً عن حقوقه في المياه الاقتصادية، كما أنه لم يودع مرسومه الحكومي لتعديل الحدود البحرية واعتماد الخط 29 المدعوم تقنياً وقانونياً بدلاً من الخط 23 وفق التقرير العشوائي السابق. كانت هذه الخطوات إشارة إضافية للقبول بالوساطة الأميركية على حساب الحقوق اللبنانية، والقبول اللبناني بالتحكيم الأميركي بدلاً من التحكيم الدولي

فشل المبعوث الأميركي بسبب إصرار طاقم المفاوضات اللبناني، العسكري والمهني، على عدم التنازل عن الحقوق والثروات اللبنانية المكتشفة، وربما غير المكتشفة بعد، في المياه الاقتصادية اللبنانية، في حين رفض الطاقم الإسرائيلي الاعتراف بالخط 29 حدوداً بحرية بين الطرفين. مع التذكير أن الخط 29 يقسم حقل “كاريش” للغاز إلى قسمين غنيّين جدّاً بالغاز. وعليه، غادر المبعوث الأميركي، هوكشتاين، رأس الناقورة عائداً إلى أميريكا

 ويبقى السؤال: ماذا فعل اللبنانيون خلال هذه الفترة؟ هل كانت تشغلهم الصراعات الداخلية عن حقوقهم الوطنية التي يمكن أن تغني لبنان عن كل مساعدة خارجية؟ وهل من ضمان ألا يستمر الصراع الداخلي على رأس سلم أولويات لبنان والقوى السياسية الفاعلة، في حين أن ثروات لبنان تُهدر من دون حساب؟ ما هو دور القوى “السيادية” الجديدة في البرلمان اللبناني؟ 

لكن السؤال الأهم: هل بيان الرئيسين عون وميقاتي، الذي استبعد الإعلان عن الخط 29 حدوداً بحرية للبنان، بذريعة أن ذلك “قد يعطل المفاوضات”، واستبعد إمكانية الرد عسكرياً على أي اعتداء إسرائيلي على ثروات لبنان، والدعوة التي وجهها الرئيسان، عون وميقاتي، إلى المبعوث الأميركي، هوكشتاين، للعودة إلى بيروت لغرض استكمال التفاوض، هو قبول بالصفقة التي تقترحها أميركا؟ أي، الحل الوسط بين لبنان و”إسرائيل”؟ وإذا كان إعلان إيداع لبنان للخط 29 في الأمم المتحدة يعطل المفاوضات فعلاً، فلماذا تصر “إسرائيل” رسمياً وفعلياً على اعتماد الخط 23 حدوداً بحرية مع لبنان، ولا نعتبر أن هذا يعطل المفاوضات؟ 

السيناريوهات المتوقعة من عودة المبعوث الأميركي

خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان، اهتم مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق، ديفيد هيل، بأن يفشل أي محاولة لبنانية لاتخاذ قرار رسمي، يرسل إلى الأمم المتحدة، باعتماد الخط 29 حدوداً بحرية للبنان، وفي هذا نجح هيل، تكتيكياً، ليبني عليه نجاحاً استراتيجياً محتملاً لاحقاً.

أدى نجاح هيل في منع لبنان من اتخاذ القرار المذكور، وقيام المبعوث هوكشتاين بإعطاء “المهلة” المذكورة أعلاه، وهي في الواقع تحذير أو تهديد، من دون أن يفعل لبنان أي شي خلال هذه الفترة، إلى إعطاء “إسرائيل” فرصة لإقناع الأميركيين بصواب قرارها إرسال السفينة العائمة، منصة الغاز، للبدء بإنتاج الغاز من حقل “كاريش”، ولا سيما أن أوروبا في أمسّ الحاجة إليه، وأن أميركا تشجع كل مبادرة لتزويد أوروبا بالغاز بدلاً من الغاز الروسي.  

هنا، جاء البيان المشترك لـ3 وزراء إسرائيليين، وزير الخارجية يائير لبيد، ووزير الأمن بني غانتس، ووزيرة الطاقة كارين الهرار، ليؤكد أنّ “منصة كاريش لن تضخ الغاز من المنطقة المتنازع عليها”، خوفاً من رد حزب الله. وبذلك اتخذوا موقفاً مخالفاً لموقف رئيس الحكومة نفتالي بينت. ربما جاء البيان المشترك لينقذ المنطقة من حرب شبه مؤكدة، أو مقدمة لإقناع الرأي العام أن الموقف الإسرائيلي كان إيجابياً، وربما هي مهلة إضافية تسمح بتدخل المبعوث الأميركي، إذا ما كانت لديه إشارات لبنانية بإمكانية الوصول إلى حل وسط

يا رؤساء لبنان! ارحموا شعبكم من كارثة جديدة!

أميركا تريد أن تفرض نهجاً جديداً في العلاقات الدولية: إما أن تقبلوا بالتعاون المباشر مع “إسرائيل” لتقاسم الغاز على شكل التعاون الإسرائيلي القبرصي اليوناني، أو أن تتحوّل الحقول المشتركة إلى ملكية شركات أجنبية من دون أي اعتبار للعلاقات السياسية، وكل طرف يأخذ حصته من الحقل. مثل هذه الحلول قد تكون اختراقاً جديداً للقوانين الدولية القائمة وتسويات أميركية لمصلحة الشركات الدولية وليس لمصلحة الشعوب.

في مقال سابق تحت عنوان، مفهوم الحدود وطموحات التوسع الصهيوني، نهاية شباط 2022، كتبت: “لم تكن الحدود الأمنية أو الحدود الآمنة التي تطمح لها إسرائيل إلا لتخدم مصالحها الاقتصادية”. وهذا، أيضاً، رأي باحثين صهاينة قاموا بمراجعة الدوافع التي وقفت خلف مطالب الحركة الصهيونية، تاريخياً، لترسيم حدود “الدولة اليهودية”، قبل إقامتها وبعد ذلك. هذا الاستنتاج يعود إلى الحقيقة الاستعمارية التي قامت أو أقيمت على أساسها “إسرائيل”. فهي كانت وما تزال مشروعاً استعمارياً دولياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى