إقليم “ترانسنيستريا”.. بؤرة تصعيد جديدة شرقيَّ أوروبا

لم يكن ملف إقليم “ترانسنيستريا” الانفصالي شرقيَّ مولدوفا، معروفاً على نطاق واسع قبل بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا مؤخراً، لكنه بات الآن محط أنظار العديد من الدول، نظراً إلى أنه يمثل بؤرة تصعيد محتملة إذا امتدت المعارك في أوكرانيا إلى نطاقات جغرافية أكبر وأوسع.
شهد هذا الإقليم خلال الأسابيع الأخيرة، عدة تطورات لافتة، ألقت الضوء بشكل كبير على أدوار ميدانية وتكتيكية مهمة قد يلعبها هذا الإقليم في الحرب الدائرة حالياً في أوكرانيا، ناهيك بما ينطوي عليه هذا الإقليم من إرث سوفياتي، تظهر ملامحه في كل شارع من شوارعه، وهو الإرث الذي جعل هذا الإقليم واحداً ضمن عدة مناطق انفصالية، نتجت عن انهيار الاتحاد السوفياتي، وبات لها تأثير جيوسياسي حاضر بقوة في الوضع الدولي الحالي.
بداية قصة هذا الإقليم، كانت بعد انضواء مولدوفا خلال القرنين الـ 16 والـ17 تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، التي قامت بالتخلي عن جزء من القسم الشرقي منها، والمسمّى “بيسارابيان مولدوفا” إلى الإمبراطورية الروسية، بموجب اتفاقية “جاسي” الموقعة عام 1792، والتي تم إبرامها عقب الحرب الروسية – العثمانية. أسست موسكو في هذا النطاق الجغرافي مدينة “تيراسبول” عام 1795، التي تمثل حالياً عاصمة إقليم “ترانسنيستريا”، بهدف تأمين الأراضي التي حصلت عليها بموجب اتفاقية “جاسي”. وقد أتمت موسكو السيطرة على كامل شرق مولدوفا، بما في ذلك إقليم “ترانسنيستريا”، بعد أن غزته وأجبرت الإمبراطورية العثمانية على التخلي عنه بالكامل عبر اتفاقية “بوخارست” الموقعة عام 1812.
سيناريوهات الوضع المستقبلي لإقليم “ترانسنيستريا“
المستقبل المنظور لهذا الإقليم لا يتعلق فقط بمشاركته في الحرب الأوكرانية من عدمها، بل تتسع سيناريوهات هذا المستقبل لتشمل استخدام موسكو ورقة هذا الإقليم، للضغط على مولدوفا، التي جددت مساعيها في آذار/مارس الماضي لدخول الاتحاد الأوروبي. محاولة الضغط الروسي على مولدوفا تتعلق بشكل أساسي بحقيقة أنه منذ تسعينيات القرن الماضي، حكم مولدوفا سلسلة من القادة الموالين لروسيا. ولكن هذا الوضع تغير عام 2020، حين تم انتخاب “مايا ساندو” كرئيسة جديدة للبلاد، وهي معروفة بميلها الشديد للاتحاد الأوروبي، ومناهضتها لروسيا، وسبق أن طالبت باستبدال القوات الروسية العاملة في قوات حفظ السلام في “ترانسنيستريا”، بمجموعة من المراقبين من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) ، ولوحت مؤخراً بطلب المساعدة من رومانيا وأوكرانيا، إذا ما واجهت هجوماً من جانب قوات الإقليم، التي تتفوق فعلياً على الجيش المولدوفي الذي لا يتجاوز عديد قوته العاملة 6 آلاف جندي، وهو التلويح الذي تلقته موسكو بتوجس، لأنه يعيد إلى الأذهان المطامع الرومانية في هذه المنطقة.
إذاً، قد تستغل موسكو هذه الورقة، وورقة الغاز الذي تعتمد مولدوفا على تأمينه بنسبة 100% على موسكو، للضغط عليها ومنعها من التحرك قدماً نحو الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن مولدوفا التزمت الحياد، الذي ينص عليه دستورها، خلال الأزمة الحالية في أوكرانيا، ولم تعط ذريعة كافية لموسكو كي ترفع من وتيرة التوتر معها. هذا الحياد ربما يتعرض خلال الفترة القادمة لاختبارات جادة، خاصة بعد توقيع رئيسة مولدوفا، مايا ساندو، قانوناً يحظر عرض رمزين روسيين لحرب أوكرانيا، هما الحرف Z المرسوم على الدبابات الروسية، وشريط القديس جاورجيوس الذي يحيي ذكرى نصر الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وكذا مطالبة ساندو الجيش الروسي، بسحب قواته من إقليم “ترانسنيستريا”، وترافق هذا مع تصريحات لوزيرة الخارجية البريطانية، ليز تروس، حول رغبة بلادها في إرسال أسلحة حديثة إلى مولدوفا.
خلاصة القول إن ملف إقليم “ترانسنيستريا”، أصبح قاب قوسين أو أدنى من العودة إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعد فترة طويلة من السبات الذي تلا معارك عام 1992. المفارقة أن هذا الملف يمكن اعتباره ورقة رابحة مع كافة الأطراف، سواء كانت أوكرانيا أو روسيا أو مولدوفا أو حتى رومانيا. الكفة الروسية في هذه المعادلة تبدو هي الأثقل، بالنظر إلى تأثيرها الاقتصادي وحضورها العسكري في هذا الإقليم، لكن يبدو هذا كله مقترناً بنتائج المحور الغربي من الجبهة الجنوبية الأوكرانية، التي قد يكون التقدم أو التراجع الروسي فيها، محركاً أساسياً لورقة هذا الإقليم، نحو اليد التي تفرضها الظروف الميدانية من الأيدي التي سبق ذكرها.



