التاج البريطاني يفقد قبضته على دول الكومنولث.. نحو الانفصال دُرْ
بقلم/د. علي دربج..
يبدو أنه خلال أعوام قليلة سيقتصر النفوذ البريطاني المباشر على مساحة بريطانيا الجغرافية فقط، إذ بدأت العديد من دول الكومنولث (منظمة دول شرق البحر الكاريبي وهو اتحاد سياسي يضم 53 دولة كانت جميعها تقريبًا مستعمرات سابقة للإمبراطورية البريطانية) التي ما زالت تخضع لحكم التاج الملكي ـ ويلزمها الرجوع الى مجلس الوزراء الانكليزي ـ تتمرد للتحرر نهائيًا من بريطانيا، رغم منح هذه المستعمرات استقلالها الظاهري فقط.
تاريخيًا، تعد منطقة البحر الكاريبي واحدًا من آخر الأماكن، إلى جانب كندا وأستراليا ونيوزيلندا، التي لا تزال الملكة هي رأس الدولة فيها، لكن حاليًا تسير الجزر والمستعمرات السابقة واحدة تلو الأخرى في طريقها الخاص وتتجه نحو الانفصال عن سلطة الملكة اليزابيث الثانية فعليًا.
فما الذي يحدث فعليًا في منطقة الكاريبي؟
أواخر آذار/ مارس الماضي، عاين عن كثب الأمير ويليام دوق كامبريدج الذي يحتل المرتبة الثانية في ترتيب ولاية العرش، أثناء جولة له في المنطقة برفقة زوجته كيت ميدلتون، كيف تغير المزاج العام تجاه النظام الملكي في أعقاب الاحتجاجات الدائمة لحركة “حياة السود مهمة” في أميركا ضد العنصرية، والدعوة المتجددة إلى تعويضات عن دور بريطانيا في تجارة الرقيق.
ففي مستعمرة بليز (هندوراس البريطانية سابقا)، عدل الزوجان عن زيارة كانت مقررة إلى مزرعة للكاكاو فيها، بعد احتجاج السكان، بينما تلقيا في جزر البهاما مطالب من السكان، تدعو المملكة المتحدة الى دفع تعويضات عن العبودية، وأن تعترف بأن الاقتصاد البريطاني “بني على ظهر أسلافنا”. أما جامايكا، فيبدو أن هذه الدولة قد تجرأت حيث ستحذو حذو دولة أو جزيرة بربادوس التي تخلت عن الملكة اليزابيث الثانية كرئيسة للدولة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وهو ما مهد له رئيس الوزراء أندرو هولنس بإعلانه أن بلاده “تمضي قدما للتحرر من النظام الملكي البريطاني”، وأضاف “نعتزم تحقيق طموحاتنا الحقيقية ومصيرنا كدولة مستقلة ومتطورة ومزدهرة“.
ما هي أسباب هذا التغير في دول الكاريبي؟
تبدلت المشاعر تجاه العائلة المالكة بشكل ملموس في منطقة البحر الكاريبي بسبب القتل المستمر للسود على يد الشرطة في الولايات المتحدة، مما أدى إلى تأجيج نقاش طويل الأمد في بريطانيا ومستعمراتها السابقة حول إرث الإمبراطورية. من هنا كان قرار بربادوس إزالة الملكة نقطة تحول.
كيف تفاعلت شعوب دول الكاريبي مع زيارة ممثلي الملكة اليزابيث؟
بالنسبة للأمير ويليام وزوجته، كانت هذه جولة مضطربة في منطقة البحر الكاريبي، أظهرت بشكل درامي ـ من خلال كم هائل من الأخطاء والارتكابات والسلوك الاستعماري الاستعبادي فضلا عن العنصرية المقيتةـ مدى سرعة فقدان الملكة إليزابيث الثانية قبضتها على هذه الهيمنة البعيدة، حتى عندما ترسل ممثليها الأكثر شعبية (اي ويليام وزوجته).
أكثر من ذلك، لم تخل رحلة للزوجين، من مشاهد تجسد العقلية الاستعمارية الاستعلائية التي ورثاها عن الملكة الأمّ، إذ عسكت صورة لهما في ترينش تاون (عاصمة جامايكا) وهما يلمسان أصابع أطفال ممدودة لهما عبر سياج متسلسل ـ الماضي الاليم الحافل بالازدراء والدونية التي لطالما تعاملت بها العائلة مع هذه الشعوب.
ماذا عن شعبية الملكة اليزابيث في هذه الدول؟
لا تزال إليزابيث التي تبلغ 96 عامًا رئيسة لـ 15 دولة في الكومنولث. وفي حين أن لديها قاعدة من الشعبية في منطقة البحر الكاريبي، لا سيما بين كبار السن، الا أن الكثيرين يريدون من النظام الملكي الاعتراف العام بدورها في تجارة الرقيق، والتي تمت بموجب تصريح ملكي جرى تطبيقه من قبل شركة رويال أفريكان في القرنين السابع عشر والثامن عشر، واستمر حتى القرن العشرين.
هل حققت الجولة أهدافها؟
دلت الأجواء المشحونة أن قصر باكنغهام أخطأ في الحسابات عندما صمم زيارة الزوجين على أنها جولة ملكية تقليدية. كانت الفكرة هي إرسال ويليام وكاثرين، وهما من بين أكثر أفراد العائلة المالكة شهرة في استطلاعات الرأي، لتمثيل الملكة خلال اليوبيل البلاتيني لها (توقفت عن السفر إلى الخارج منذ عدة سنوات).
في المحصلة، نظرًا للاتجاهات التاريخية الأعمق، فمن غير المرجح أن تتمكن المملكة المتحدة من وقف الانكماش أكثر في مستعمراتها، إذ من المتوقع أن تصبح جامايكا جمهورية في غضون عامين، وربما تتبعها بليز، رغم تعقيد وضعها بسبب المخاوف الأمنية بشأن جارتها غواتيمالا. وعليه ولى الزمن الذي كانت فيه دول أو جزر الكاريبي تتردّد عن الفكاك من التاج البريطاني. لقد أبحرت تلك السفينة بالذات ولا يظهر ان هناك شيئًا سيوقفها مستقبلا.



