ثقافية

 القوة التعبيرية العميقة في لوحات إدريس حلمي

 

 

 محمد البندوري..

تتسم أعمال الفنان التشكيلي إدريس حلمي بالقوة التعبيرية العميقة لتنصهر في سياق تجربة فنية معاصرة تحمل في طياتها تقنيات جديدة، يظهر من خلالها مختلف التعابير التي تجسد تصوراته وأفكاره اتجاه المادة التشكيلية المتنوعة؛ إذ يروم التنويع في المسالك الفنية والأساليب الجمالية، في نطاق تجربة تضطلع بتقاطعات تكتنفها الجدلية بين الأخذ من الإرث الحضاري، وتشكيل مجموعة من المكونات الفنية المعاصرة، لتقوده هذه المفارقة إلى إرساء التخصص المبني على القاعدة التجريدية الموسومة بحمولة من التنوعات التشكيلية المتشعبة، التي تتغيى ثلة من العناصر التشكيلية والمفردات الفنية، سواء على مستوى المادة النحتية أو الصباغية. إلا أن هذا الاختيار المسلكي في التشكيل يتسم بالتعقيد حيث تؤطره الرؤية البصرية التي تروم الجمالية الصرفة في أعماله، لذلك يسعى الفنان إدريس حلمي من خلال ذلك إلى التفاعل بعمق مع أبعاد بعض التشكيلات ذات التعابير غير المباشرة، التي تدل على ثقافته التشكيلية وإدراكاته الفنية، فهو ابن فنان كبير نحَتَ الدرهم المغربي في فترة من الألفية الماضية.

إن أعمال حلمي التي تتأثر بضربات السكين أحيانا، وبالطلاء والإخضاع الهندسي حينا؛ تنبض بالحيوية التي تشعلها حركات الخطوط المتموجة والمتقاطعة، وحركات الألوان التي تنصهر في عمق الأشكال، وهي كلها تعج بالأنغام الموسيقية بتدفق كبير تبعا لنسق الحركة الدؤوبة، وأيضا للمناحي الفنية التي تعكس تصورات المبدع وما تحمله ثقافته، بكل الامتدادات المتداخلة في عالمه التشكيلي، خاصة أن للمبدع من الإمكانات والتقنيات المتميزة ما يؤهله لأن يوظف تصوراته وأفكاره داخل نسيج اللون بالاستعمالات الرمزية والعلاماتية وفق التعبير بأسلوب هندسي تارة، أو أسلوب فني بطابع خاص مغاير للمألوف تارة أخرى. وذلك بفضل تفاعله مع المجال الهندسي من جهة، وتفاعله مع عدد من المدارس التشكيلية من جهة ثانية، بنوع من القوة التعبيرية والجرأة التشكيلية، فيستطيع أن يتحكم في عمليات التدبير الفضائي بكل مقوماته ومستلزماته، خاصة أنه لا يعتمد بناء الفضاء كمرحلة أولية؛ وإنما يدخل في العملية التشكيلية مباشرة، ما يُخول له أن يبتكر ويجدد في منتوجه التشكيلي وفق تجربته المائزة، وهذا يؤكد لا محالة أسلوبه في العمل، وطُرقه التعبيرية المتسترة في بؤر من الأشكال والألوان والرموز والعلامات، ليقدم أعمالا تشكيلية معاصرة عميقة المغازي والدلالات، تُحيل إلى أن الضربات اللونية واللمسات السكينية التي تُنتج العلامات اللونية بكثافتها توحي بنبض إبداعي وجمالي يعبُر المسافات من خلال دوائر وأشكال حركية غير متناهية، بتوازن دقيق. ليشكل حوارا داخل كل لوحة بين الخطوط والرموز والجماليات اللونية، ليشكل العناصر التشكيلية والمفردات الفنية والكتل كافة، بأبعاد فلسفية عميقة المعاني تتخطى حدود الزمان والمكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى