اراء

نمط الإحلال والإبدال في غرب أفريقيا..من يخدم أفضل؟

 

بقلم/محمد المحجوب..

 

غرب أفريقيا أو أفريقيا الفرنكوفونية، تلك المساحة الصحراوية الشاسعة التي نعرفها نمطياً باسم الصحراء الكبرى، بكثبانها وثرواتها ونزاعاتها المستمرة، وكذلك معاناتها وآلامها وآمالها نحو الحرية والانعتاق، من داكار إلى أنجمينا، ومن تمبكتو إلى ليبرفيل، متشابهة في كل شيء: ثورات وانقلابات ومشاريع استعمارية وأحلاف عسكرية وتحالفات اقتصادية، فما الجديد، إذاً، في ضوء الدراما السياسية العالمية؟

لقطة البداية: تدافع نحو المجهول

تأخّر غرب أفريقيا ليقع تحت نير الاستعمار بمعناه ومفهومه المعاصر النمطي الذي ندركه ونعرفه، رغم بديهية قربه الجغرافي إلى معقل المستعمرين القدامى/الجدد في الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، ذلك أنَّ التوجه غرباً أدى بالمستعمرين إلى “اكتشاف” الساحل الشرقي للأميركيتين في مطلع القرن السادس عشر، إذ وفرت سواحل البرازيل والمكسيك ثروات هائلة راكمتها أوروبا الغربية في يد سلطاتها المطلقة، واستعانت بفائضها في تجهيز استعداداتها للمغامرة التالية، وهي الهند، إذ استغرق إخضاعها 3 قرون.

بعدها، تفرغ المستعمر لنيل “الجائزة الكبرى” التي لطالما أرقه جهله المطبق بمجاهلها، فكان “التدافع المحموم” نحو القارة السمراء، والَّذي غابت عنه القوى التي خارت قواها واستنفدت طوال تلك العقود الثلاثة. وبينما نفضت أميركا اللاتينية عنها غبار الاستعمار، ولو مؤقتاً، وانتشرت الأفكار القومية والنزعات الانفصالية في آسيا، كانت أفريقيا لا تزال محكومة بالنمط التقليدي للسلطة.

وحتى اليوم، لا تملك دول غرب أفريقيا قرارها الاقتصادي، من نمط إنتاج إلى سياسة مالية ونظام إدارة مؤسسات مصرفية ونحوه، وهي سياسة انتهجتها الجمهورية “الخامسة” التي رأت فيها إنقاذاً لإمبراطورتيها المهدّدة بالتفكّك، واستمر فيها خلفاء ديغول بثبات معتمدين على القوة العسكرية الخارجية السيئة السمعة، التي يرد اسمها في كلّ انقلاب أو محاولة انقلابية، ذراعاً استعمارية تحاول بها فرنسا المحافظة على امتيازها الاستعماري وحضورها في غرب القارة، في وجه ثورات شعوب المنطقة أولاً، ومؤامرات حلفائها في الناتو عينه، وهي مؤامرات لم تبدأ مؤخراً، بل منذ ستينيات القرن الماضي، في الجزائر ومالي وساحل العاج وغيرها، في مخططات يبدو بديهياً أن تجد آثار الدعم السوفياتي خلفها، غير أنَّ المثير للاهتمام وجود بصمات الحلفاء الغربيين عينهم، واشنطن ولندن وروما؛ شركاء الأمس في الهلع الاستعماري الّذين لم يوفروا فرصة لضرب المصالح الفرنسية الخارجية في إطار ممارسة الإحلال والإبدال في القارة.

3 عقود من التخبّط.. ما النتائج؟

منذ إرهاصات نهاية الحرب الباردة، وتخلي القوى العظمى عن حلفائها الهامشيين، إذ تخلت الولايات المتحدة الأميركية عن بيادق الحرب الباردة الهامشيين على امتداد الجغرافيا، من تايوان إلى الباراغواي ونظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا وغيرها، وتخلت بريطانيا عن أكشاكها الاستعمارية، من هونغ كونغ إلى سنغافورة وغامبيا وسريلانكا، بينما لم تجد فرنسا بديلاً من الاحتفاظ بجيوبها الاستعمارية، رغم تكلفة إبقائهم الباهظة، غير أنها اكتفت بعمليات جراحية للإبقاء على ديناميكية وكلائها المنهكين بفعل فساد أنظمة الحكم فيها، من نظام كومباوري في بوركينافاسو وعبدو ضيوف في السنغال، أحد أكثر الحصون الاستعمارية أهمية في إدارة مشاريع فرنسا الاستعمارية، وليس انتهاء بأنظمتها الهشة في جيبوتي وجزر القمر، وهي أنظمة مهزوزة لم تكن مهيأة لدخول الألفية الجديدة والتكيف مع متغيراتها المتعولمة.

ورغم التهويل الإعلامي الضوضائي حول استحواذ الصين على دول الشرق الأفريقي في إطار لعبة الخطوط التجارية وصراع المشاريع الاقتصادية، من طريق الحرير إلى الشبكة العنكبوتية التركية، إلى الخط الرأسي البريطاني القاهرة – كايب تاون، ونظيره الأفقي الفرنسي نواكشوط – جيبوتي… وسط كل هذا، تنسج الولايات المتحدة الأميركية شبكتها الخاصة من دون الاعتماد على وكلائها القدماء في المغرب أو ليبيريا، بل تقوم ببساطة بعمل إحلال وإبدال سريع لقيادات الأنظمة المتهالكة السالفة الذكر إياها في غرب أفريقيا الفرنسي، مستغلة ضعف فرنسا الداخلي وانشغالها بأزماتها المزمنة ومراهناتها في القارة الأوروبية على زعامة القارة العجوز.

وينظر إلى واشنطن باعتبارها منقذاً من التسلط الفرنسي القديم غير المجدي، قناعات وأفكار تترجم مواقف سياسية وخطوات عملية في ساحة الصراع على كثبان الصحراء الكبرى، إذ يتم تسخين الصراع تارة بوسم الحرب على الإرهاب “الجهادي” أو التمرد الطارقي، وفي أعقد السيناريوهات “التحرر الوطني”، كما تحاول سلطة الأمر الواقع العسكرية في مالي تصوير نزاعها مع فرنسا، ومن ورائها القوى الأوروبية، معطيةً شعوراً بأنها تسير نحو تعددية الأقطاب، غير أن واقع الحال ومكشوف الوثائق يبيّن انجرارها نحو جاذبية مجسات المحور الأميركي، الذي ربما يحاول الهرب من غرب آسيا الذي أشعله قبل 20 عاماً بغزوه لأفغانستان. العراق توالياً، إلى غرب أفريقيا، حيث اللائمة دوماً على فرنسا الاستعمارية، وبين غرب وغرب، محاور ومشاريع وأحلاف، وخطط وخرائط جديدة على وشك الظهور، مع وجوب إدراك الفرق في المساحة والسكان، فمساحة الغرب الأفريقي تعادل مساحة الولايات المتحدة الأميركية نفسها، مع استثناء بسيط هو توزع غالبية السكان على الشريط الساحلي الأطلسي بطبيعة الحال.

تبقى الأسئلة المطروحة تخاطب مستقبل المنطقة، فماضيها ليس بذلك البعد السحيق، وحاضرها مشهود ملحوظ بتغيراته البطيئة وتأثيراته المتذبذبة، لكن تأثير النمط الجديد للإحلال والإبدال في غرب أفريقيا، حيث المعيار في انتقاء البيادق على رقعة الشطرنج الجيوسياسية يكون: من يدفع أكثر؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى