ثقافية

واقعية النص الكلاسيكي في المجموعة القصصية «سوء تفاهم»

 

 كمال القاضي..

ليس التكثيف الدرامي وحده هو ما يميز القصة القصيرة، وإنما ثمة خصوصيات كثيرة تنفرد بها الكتابة القصصية عن سائر الكتابات الأخرى، ولأن فن كتابة القصة، يُترجم مهارات المؤلف وثقافته وتمكنه من اللغة وسخريته في بعض الأحيان، فإن ما ينتج من إبداع يكون عادة مُحصلة لكل هذه المزايا إذا توافرت مُعطيات الموهبة لدى الكاتب.

«سوء تفاهم» هو عنوان مجموعة قصصية صدرت حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب للقاص فهمي عبد السلام، وهي ليست التجربة الوحيدة له، وإنما سبقتها تجارب أخرى تمثلت في مجموعته الأولى «حجرة الفئران» والمجموعة الثانية «صاحبي الذي ضل ـ صاحبي الذي غوى» وفي الواقع أن ما يكتبه فهمي مُغر بالقراءة، فهو لم يختلق حدثاً درامياً، ولم يذهب في تصوراته إلى التهويم والسباحة في خيال بعيد عن المنطق، وخارج دائرة التذوق الطبيعي للإبداع القصصي، بل إنه يربط جماليات الفن الأدبي الرفيع بالحدث الواقعي، ويُكسبه طعماً خاصاً حسبما تحتمله القصة، فتارة يكون الطعم قابضاً لاذعاً، وتارة أخرى يكون مُستساغاً حلو المذاق يميل إلى الفكاهة، وفي الحالتين لا تخلو قصة من قصص فهمي عبد السلام من تلك السخرية المعهودة في صوره وكتاباته، ذلك أنه يؤمن بفاعلية فن الكاريكاتير وأهميته في الإشارة إلى المفارقات الحياتية والاجتماعية التي يعيشها أبطال قصصه، وقد يرى البعض في هذه النوعية من التعبير الساخر قسوة ما يُمارسها الكاتب على الشخصيات التي أوقعها القدر في طريقة، بيد أن البعض الآخر يرى في السخرية علاجاً للظواهر السلبية، حيث التركيز عليها يجعلها أكثر وضوحاً، وبالتالي يُمكن تلاشيها وتجنبها، غير أن الكتابة الساخرة بطبيعتها هي مرادف للنكتة، والنكتة كما هو معروف تندرج وظيفتها تحت بند النقد.

ولأنه لا يعتد بأي كتابات إبداعية خارج نطاق السخرية والتهكم، فقد جاءت مجموعته القصصية الأخيرة «سوء تفاهم» عزفاً على الأوتار ذاتها التي طالما صدرت عنها أصوات تشي بطبيعته وذوقه الأدبي، وميله الذاتي إلى الإلماح والإسقاط واستدعاء المواقف والشخصيات الحقيقية من الذاكرة، والخروج بها إلى المحيط الواقعي، مُجدداً قبل أن يطويها النسيان وتصير عدماً، فربما ما تتميز به كتابة فهمي عبد السلام هو ذلك الاسترجاع الدقيق للحكايات القديمة بتفاصيلها الصغيرة، مقرونة بالتواريخ والأزمنة والأحداث، مع التضمين اللائق لجماليات القصة وزخرفها، كي تتوافر لها شروط التأثير، فتُصبح كما يريد كاتبها نافذة صائبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى