أسرار الغياب في «الليل لنا»

المراقب العراقي/ متابعة…
توجد تجربة الغياب في قلب رواية «الليل لنا» بل هي محرك جُلِّ أحداثها؛ فإلقاء نظرة عامة على الرواية، تكشف لنا أنها بُنيت وفْق منطق التعارض بين الحضور والغياب، وتكمن أصالتها في التعبير عن الغياب في كل أشكاله وتخييله.
يحاول محمد مباركي أن يقدّم لنا، من خلال حبكات روايته المتعددة، وتعدّد شخصياته واختلاف مصائرها، معنى عاما ومشتركا بينها، وهو طابع مشترك يطبع وجود الشخصيات، وهذا الطابع العام المسيطر على العالم الروائي في «الليل لنا» هو الغياب الذي يطال كل الشخصيات التي تظهر على سطح أحداث الرواية… وبذلك يؤكد مقولة، من حياة شخص يعيش أشخاص متعددون تجربة واحدة، وإن اختلفت مصائرهم، لكنهم يلتقون في نقطة تقاطع وحيدة وهي الغياب، ليبيّن لنا طريقته في النظر إلى العالم، إذ يحاول أن يفهمنا أسباب الغياب ودوافعه، كما أن حبكات الرواية تتغذى من هذا الغياب، ويضعّف محكيه بمحاولات جاهدة لفهم عقليات وطبائع الشخصيات في علاقتها بالمكان والزمان، وكيف تعيش هذا الغياب.. ويمكننا رصد نوعين من الغياب في رواية «الليل لنا»:
غياب قسري لا إرادي: تضطر الشخصيات للغياب؛ إما بإرادة الآخرين، أو تحت ضغط ضرورة طبيعية أو يغيّبها القدر، كما حدث لكريم في نهاية الرواية حينما انقلبت به الشاحنة رفقة مجموعة من سكان دوار أولاد سعدون.. وغياب الأمومة لدى الوازنة والدة كريم بسبب حرمانها من ابنها في صراع مع حماتها ومع اختي زوجها، وذبج الراهب وزوجته طامو، وابنتهما مورا التي أغلق عليها أهل الدوار وتركوها تموت ببطء داخل دار الراهب، والعيد صديق كريم في الطفولة غيّبه الفقر، وأحد المرضى الذي كان يدّعي أنه شريف غيّبه المرض في مستشفى الأمراض العقلية، والشيخ مزوار غيّبته حادثة سير عن أنظار أهل دوار أولاد سعدون وبعد ذلك غيّبه الموت، وسليمان الذي غيّبه السفر إلى فرنسا بإرادة صديقه حماد، وغياب والد الطفل رمضان تلميذ كريم، بسبب اشتداد الوحم على زوجته وسطوتها عليه، وتغييب القرية أثناء صياغة المقررات الدراسية وتأثيره التربوي والنفسي على أبنائها.
غياب إرادي: هنا الشخصيات هي التي تختار الغياب، كريم بقراره التدريس في قرية نائية، غاب عن والديه الذي كان وحيدهما، وغياب والد كريم عن صراع والدته مع جدته وعمتيه وانصرافه إلى عمله.



