كوميديات شكسبير تواكب تطور المجتمعات وتبدلاتها\

إبراهيم العريس..
شكسبير خاض في كل المجالات المسرحية وكان مبدعاً فيها جميعاً على قدر المساواة وإلى درجة عززت ما راح عدد من المؤرحين يقولونه إن من المستحيل أن يكون شخص واحد هو كاتب كل هذه المسرحيات. وهم في هذا السياق حين يستخدمون عبارة “كل هذه المسرحيات” لا يعنون العدد طبعاً، فعدد مسرحيات شكسبير لم يكُن كبيراً. الإسباني كالديرون كتب أضعاف أضعاف ما كتبه شكسبير وكان ناجحاً مثله في كل مسرحياته، على سبيل المثال. ما كانوا يعنونه إنما يتعلق بالتنوع وبالانتقال وأحياناً في حقبة زمنية واحدة، من كتابة مسرحية درامية إلى أخرى تاريخية، فثالثة هزلية وهكذا. بالنسبة إليهم، يبدو هذا مستحيلاً، ما يعني أن كتّاباً عديدين كانوا المؤلفين الحقيقيين لتلك المسرحيات. غير أن أحداً لم يتمكّن من إثبات ذلك لا لغوياً ولا علمياً ولا تاريخياً. وبقيت ثمة حقيقة ساطعة أمام أعين الجميع، حقيقة تقول إن شكسبير كان كاتباً محترفاً، يعرف كيف يخوض كل الأنواع مكرّساً لها مواهبه وذاكرته وإمكاناته التقنية لأنه كان مسؤولاً عن مسرحه وفرقته وكان يريد لهما أن يكونا متفرّدَين.
وكانا متفرّدَين بالفعل، تحديداً انطلاقاً من ذلك التنوع الذي ندر أن طبع كتابات كاتب واحد في تاريخ المسرح. ومن هنا حين يجري الحديث عن المسرح الشكسبيري يكون ممكناً تقسيمه إلى أنواع عدة. فمثلاً، تنتمي “ماكبث” و”الملك لير” و”هاملت” وغيرها طبعاً إلى نوع، وتنتمي إلى نوع آخر مسرحياته المعروفة بالرومانية، وهناك نوع عاطفي، ثم مثلاً المسرحيات التي تتناول التاريخ الإنجليزي أو بشكل أكثر تحديداً المسرح المتعلق بحكايات الملوك الإنجليز المتعاقبين وهو، كما نعرف، الذي عادة ما كان يوصل شكسبير ومسرحه إلى حافة الخطر.
ونعرف أن كل المسرحيات التي تتوزع هذه الأنواع حققت لشكسبير مكانة هائلة وغالباً أولى في تاريخ المسرح العالمي. غير أننا ننسى أحياناً الاهتمام بجانب آخر من جوانب المسرح الشكسبيري: الجانب الهزلي. صحيح أن في مقدورنا أن نعثر على مشاهد كوميدية في بعض أكثر مسرحيات شكسبير قتامة. لكن هذا ليس ما نعنيه هنا. ما نعنيه هو المسرحيات الكوميدية الخالصة التي قد يكون ممكناً القول إنها تشكّل عددياً ما لا يقل عن ثلث نتاجات المسرح الشكسبيري. وكانت دائماً الأكثر نجاحاً من دون أن يفرد كثر تاريخاً خاصاً لشكسبير ككاتب هزلي قد يتفوّق أحياناً على كثر من كتّاب المسرح الهزلي في العالم.
حسبنا أن نذكّر هنا ببعض أشهر مسرحيات شكسبير الهزلية لتوضيح ما نرمي إليه: “إنما الأمور بخواتمها” و”كما تحبها” و”كوميديا الأخطاء” و”خاب سعي العشاق” و”تاجر البندقية” و”زوجات وندسور المرحات” و”حلم ليلة صيف” و”ترويض الشرسة” و”أسمع جعجعة ولا أرى طحناً” و”حكاية شتاء”. وطبعاً يمكن لهذه اللائحة أن تطول لتضع القارئ أمام حقيقة تفقأ العين لكن لا أحد يتنبه إليها ولا إلى أن هذه المسرحيات بدورها تنقسم إلى نوعين أساسيين: المسرحيات العاطفية ومسرحيات المعضلات الاجتماعية، ناهيك عن مسرحيات الهزل الخالص، علماً أن هذه الأخيرة نالت دائماً حظوة كثر من الموسيقيين الذين إما موسقوها على شكل أوبريت، أو اقتبسوا منها أجواء خاصة، كما فعل مندلسون مثلاً مع “حلم ليلة صيف”.



