في لبنان أزمة لا تحلّها انتخابات نيابيّة

بقلم/جيرار ديب..
حتى اليوم، لا تزال الانتخابات النيابية اللبنانية قائمة في موعدها بتاريخ 27 آذار/مارس 2022، في ظلّ أزمات مفتوحة على مختلف الجبهات في البلاد، على رأسها الأزمة الاقتصادية، فالمجتمع الدولي يرى أن انتخابات 2022 مهمة لنجاح أجندة الإصلاح وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين. لذا، لا يملّ المسؤولون الغربيون أو الأمميون من التذكير بأهمية إجراء الانتخابات في كل مناسبة يتحدَّثون فيها عن لبنان.
يمرّ لبنان بأزمات اقتصاديّة متتالية. ولعلّ أسوأها انهيار العملة الوطنية وفقدانها أكثر من 85% من قيمتها، ما ينذر بانهيار شامل قد ينتج منه ما لا تُحمد عقباه. أيام صعبة يعيشها لبنان، يئنّ فيها الشعب تحت وطأة أزمة اقتصادية هي الأسوأ في تاريخه، وتتزامن مع انسداد سياسي وحكومة متعثرة ومكبّلة غير قادرة على العمل للإنقاذ أو التفاوض مع المؤسسات الدولية المانحة، وممنوعة من عقد جلساتها العادية، ما يعرقل الكثير من الخدمات المقدمة للمواطنين، ويدفع البلاد إلى شفير الانهيار التام. عندها، سيكون لبنان أمام لوحة مكتوب عليها: “أهلاً وسهلاً… وصلتم إلى جهنّم“.
أمام هول الأزمة الاقتصادية وانعكاسها على الواقع الاجتماعي من فقر وبطالة وهجرات متوالية، أصبح الجميع متخوفاً من انهيار أمني يطيح ما تبقى من بلاد، في ظلّ ما يشهده الجسم القضائي من تدخلات سياسية باتت فاضحة ووقحة في أكثر من ملف، وعلى رأسها ملف انفجار المرفأ في 4 آب/أغسطس 2020.
في خضمّ دخول لبنان مرحلة التحضيرات لسلسلة من الاستحقاقات الانتخابية، النيابية والرئاسية والبلدية، هل ستشكل نتائج الانتخابات المدخل للحلّ، وتكون بداية لنهاية أزماته، أو قد تعمّق الأزمات إذا تمّ الاعتراض على نتائجها، ولا سيما بعد الرقم المفاجئ الذي سجّله المغترب، وبلغ 244.442 ألف مقترع، إذ يتوجس الحزب من انتخاب المغتربين، باعتبار أنَّ تصنيفه حزباً إرهابياً سيمنع مقترعيه في بلاد الاغتراب من التصويت له بحرية؟ فهل سنكون عندها أمام سيناريو عراقي جديد؟
بدايةً، حسم رئيس الجمهورية الجدال القائم حول بقائه في قصر بعبدا في حال تعذّر على النواب انتخاب خلف له لسدّة الرئاسة. ورغم قوله إنّه لن يسلم البلاد إلى الفراغ، فإنَّ أوساط دوائر القصر فسّرت موقف الرئيس من عبارته هذه، بأنّه سيسعى جاهداً ليكون للبنان رئيس بعد نهاية ولايته. يبقى الارتياب قائماً حول مصير إجراء الانتخابات النيابية، إذ يقف اللبناني حائراً بين تصريح الرئاسة الأولى المصرّة على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري في شهر أيار/مايو، والرئاسة الثانية التي تحدثت عن إجرائها في شهر آذار “والسما زرقا”، بحسب تعديلات مجلس النواب الأخيرة لقانون الانتخاب.
شهد لبنان في الآونة الأخيرة زيارات متكررة لوفود برلمانية أوروبية وأميركية حثّت السلطات في لبنان على ضرورة إجراء الإنتخابات النيابية، لأنّ نتائجها قد تكون خطوة أساسية نحو التغيير في داخل البرلمان، من خلال كسر الاصطفافات التقليدية، وإدخال فكر جديد إلى أروقة المجلس النيابي، من مجتمع مدني وجمعيات ناشطة مدنية واجتماعية وحقوقية.
لهذا، يكثر الرهان على الصوت الاغترابي الذي هاجر بنفسية يائسة من المسؤولين المتمسكين في السلطة، والذين، بحسب ظنّ الناخب المهاجر، أوصلوا البلاد إلى هذه المرحلة، ويجب استبدال وجوه وعقليات وتصورات جديدة وأكثر عصرية بهم.
لا شكّ في أن هناك رهاناً دولياً وداخلياً على أن تشكّل هذه الانتخابات باباً لكسر الطوق المحكم على لبنان، وعودته إلى دوره الريادي في التفاعل والحوار مع دول العالم. هذا ما أكّده البابا فرنسيس للرئيس نجيب ميقاتي في زيارته الأخيرة للفاتيكان، وهذا ما يطلبه المجتمع الدولي كشرط لبدء إعطاء الثقة للسلطة القائمة بعد الانتخابات النيابية، وهذا أيضاً هو شرط الدول الخليجية التي لطالما طالبت السلطة اللبنانية، من دون جدوى، بعدم مغامرة بعض الفئات اللبنانية بالتدخل في الشأن الإقليمي، ولا سيما اليمن.
صحيح أنَّ لدول القرار قراءة للمتغيّرات التي تراهن على حصولها بعد الاستحقاق النيابي، ولكن يبقى للداخل اللبناني حساباته الخاصة. هذا ما عبّر عنه الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، في مجرى حديثه عن نتائج الانتخابات، عندما قال في أحد خطاباته المتلفزة: “مهما كانت هوية الغالبية النيابية الجديدة، فهي مضطرة إلى التوافق والحكم مع الآخرين، إذ لا تستطيع أن تحكم البلاد وحدها. إنَّ الوفاق والإجماع الداخليّ والميثاقية هي ركائز الحكم الوحيدة في لبنان“.
أخيراً، مهما كانت نتيجة الانتخابات المقبلة (إن حصلت)، لن تستطيع معالجة الأزمة العميقة في لبنان، لأنّها ستكون مكبّلة بنظام الحكم التوافقي فيه، ولن تستطيع القيام بالإصلاحات المنتظرة من المجتمع الدولي، فهي ستكون أضعف من أن تحاسب الفاسدين والطبقة الحاكمة التي تحاول تعطيل التدقيق الجنائي الذي يعتبر المدخل الرئيسي للبدء بالمحاسبة والإصلاح.
لهذا، تبقى بوابة أيّ إصلاح في لبنان هي الاعتماد على سياسة “عفا الله عمّا مضى”، عبر إقفال المحاسبات واستعادة الأموال المنهوبة والمحوّلة إلى الخارج. من هنا، لا آمال بالتغيير مع نتائج الانتخابات النيابية، لأنّ الخروج من الأزمة يحتاج إلى قرارات سياسية مدعومة بغطاء دولي، وإلا سينتقل لبنان لإعلانه “دولة فاشلة”.



