هل تغيّرت الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط بعد الحرب؟

بقلم: د. سنية الحسيني..
ركزت مواقع إعلامية أميركية دولية مهمة في الأيام القليلة الماضية، ومنها «واشنطن بوست» و»سكاي نيوز» و»وول ستريت جورنال»، على إعادة تقييم واشنطن لبصمتها العسكرية في الشرق الأوسط بعد الحرب، واهتمت وكالة الأناضول التركية بتتبع تلك التصريحات. تحدثت تقارير هذه المواقع عن مراجعات تجريها وزارة الحرب الأميركية حوّل إعادة الانتشار في الشرق الأوسط، وتقليص القوات الأميركية فيها، وعدم وجود نية لإعادة بناء القواعد التي تضررت. وتعتبر هذه التقارير أن السبب في ذلك يعود لتضرر القواعد الأميركية بشكل كبير خلال الحرب، وأن وجودها كشف عن هشاشة نموذج القواعد الكبيرة والثابتة القريبة من إيران.
ولم تغفل هذه التقارير الإشارة إلى تكلفة الحرب، حسب تقديرات «البنتاغون»، والتي تجاوزت ٣٧ مليار دولار حتى نهاية الشهر القادم، دون حساب تكلفة إعادة بناء هذه القواعد المدمرة. يأتي ذلك على الرغم من أن الحرب على إيران لم تنتهِ بعد، ولم تحسم نتائجها في الإقليم أيضاً. يطرح ذلك سؤالاً مركزياً حول مدى حداثة تلك التوجهات، وهل هي مرتبطة بالحرب مع إيران بالفعل؟ أم أنها تعد خطوة في تنفيذ استراتيجية طويلة المدى للإدارات الأميركية المختلفة خلال العقد الأخير.
تحدثت استراتيجية إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى صراحة عن أن فك الارتباط بالمنطقة لن يعزل الولايات المتحدة عن مشاكلها فيها، مشددة على إبقاء الوجود العسكري الأميركي الضروري فقط، في ظل دعم الحلفاء لبناء قدراتهم وتطوير منظومات دفاعية قابلة للعمل معاً، في سبيل مواجهة التهديدات المشتركة في الشرق الأوسط بما فيها إيران. وجسدت الإدارة ذلك بقرارات نقل إسرائيل من القيادة الأميركية في أوروبا إلى القيادة المركزية في الشرق الأوسط (CENTCOM) وتوقيع اتفاقيات «أبراهام» للتطبيع بين إسرائيل والدول العربية. لم تخرج استراتيجية الرئيس جو بايدن عن سابقيه، فقد دعت لشرق أوسط أكثر تكاملاً، وأنها ستعمل لتعزيز قدرات الحلفاء لردع إيران، وضمان عدم حصولها على السلاح النووي، مع مواصلة السعي لتقليل الاعتماد على موارد الولايات المتحدة في المنطقة على المدى الطويل. وجاءت استراتيجية إدارة ترامب الثانية لتقدم المزيد من التوضيح للأسباب التي نسجت تلك السياسة منذ عهد أوباما، فأكدت استراتيجية ترامب أن السبب التاريخيّ لتركيز واشنطن على الشرق الأوسط يتراجع، واعتبرت أن شركاء الولايات المتحدة باتوا أكثر استعداداً وقدرة على الدفاع عن أنفسهم، وشددت على نهج الاندماج الإقليمي، معتبرة أن إيران القوة الرئيسة المزعزعة للاستقرار في المنطقة.
تشير وثائق (CENTCOM) في عهد ولاية أوباما الأولى، إلى أنه بعد الانسحاب من العراق بقي الهدف موجها على ردع إيران ومكافحة الإرهاب وضمان حرية الملاحة، مشددة على أهمية الشراكات والقواعد والوصول العسكري باعتبارها وسيلة لعدم الاضطرار لخوض الحرب منفردة. وفي ولايته الثانية، أشارت وثائق (CENTCOM) إلى زيادة التعاون مع دول الخليج خصوصاً في مجالات الأمن البحري، والاستعداد العسكري، ونقل الأسلحة، والأمن السيبراني. وحددت (CENTCOM) مهمتها في الحقبة الأولى لإدارة ترامب بتمكين العمليات والأنشطة العسكرية مع الحلفاء والشركاء، وتركز العمل على هزيمة عصابات «داعش»، وردع إيران، تأمين الممرات البحرية. وفي عهد بايدن عكست وثائق (CENTCOM) التقدم في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة عندما أشارت في العام 2023 إلى أن حجم قواتها انخفض إلى 85% عن العام 2008 و15% عن العام 2022، وركزت أهدافها لزيادة التكامل والعمل مع الشركاء. وتشدد الوثائق في عهد ترامب الحالي على أن وجود واشنطن، اليوم، مرتبط بشبكة الشركاء.
ورغم تطور تلك الاتفاقيات الثنائية بين واشنطن والدول الحليفة لها في المنطقة على مدار عقود، بعضها جاء خلال الحرب الباردة، وأخرى بعد أفولها، والكثير منها تجدد في السنوات الأخيرة، إلا أنها لم تخرج جميعاً عن الإطار التعاوني أو التنسيقي، وليست التزاما بالدفاع عن تلك الدول من قبل واشنطن. ورغم ذلك تميز واشنطن في طبيعة اتفاقياتها العسكرية والأمنية الثنائية بين حلفائها الخليجيين، فميزت دولة الإمارات العربية عن غيرها من دول الجوار، وحصلت الإمارات على ترقية إضافية بعد تطبيعها مع إسرائيل. خلال عامي 2024 و2025 أصبحت الإمارات شريكاً دفاعياً رئيساً لواشنطن، يسمح بمشاركتها في التطوير والابتكار الدفاعي.
كما ظهر ذلك جلياً أيضاً مع البحرين بعد التطبيع. ففي العام 2023، أضافت واشنطن للبحرين إطاراً أمنياً جديداً يشمل التشاور والاستجابة للعدوان أيضاً. على جانب مختلف، صدر أمر تنفيذي رئاسي أميركي في العام الماضي لقطر، بعد الهجوم عليها من قبل إسرائيل، يضمن أمنها وسلامة أراضيها في مواجهة أي هجوم، والذي ستعتبره الولايات المتحدة أنه يهدد أمنها وسلامتها، ويكون ذلك من خلال جميع التدابير القانونية والمناسبة والعسكرية إذا لزم الأمر. ورغم ضبابية الصياغة، يبقى الأمر الرئاسي مبادرة سياسية أكثر منه تعهدا عسكريا تنفيذيا، مقارنة بأي معاهدة أخرى، تلتزم الولايات المتحدة بتنفيذها، وذلك لإقرارها من الكونغرس وفق الأصول. فالأمر التنفيذي لا يرتب على الولايات المتحدة التزاماً قانونياً، ويحتاج لتنفيذه الإقرار من الكونغرس، وقد يعاد النظر فيه.
أثبتت الأحداث المتلاحقة والمتصاعدة في المنطقة أن المظلة العسكرية الأميركية لم تُنشأ في الأساس للدفاع عن الدول العربية الحليفة لها في المنطقة، بل أثبتت الحرب على إيران أن تلك المنظومة والشبكة الإقليمية شيدت لحماية إسرائيل. في 14 أيلول 2019، وخلال ولاية ترامب الأولى، تعرضت منشأتا «أرامكو» في بقيق وخريص لهجوم، أدى لتعطيل نصف الإنتاج السعودي، وردت أميركا بأنه هجوم على السعودية وليس هناك التزام أميركي بحمايتها. ولم تمنع واشنطن إسرائيل، العام الماضي، من شن هجمات على قطر والاعتداء على سيادتها. وقبل الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حاولت دول الخليج مجتمعة إقناع واشنطن بالعدول عن ذلك، بسبب ما قد يعرض أمن تلك البلدان للخطر، ولكنها لم تتجاوب معها، أمام دعوات إسرائيل العلنية. على الجانب الآخر، استغلت واشنطن اتفاقياتها الأمنية والعسكرية ووجود قواعدها في دول الحلفاء والعمل معهم في المنطقة وفق الشبكة الإقليمية التي نسجتها (CENTCOM) في حربها ضد إيران. في العام 2022، كشفت رويترز أن المشروع الأميركي ــ الإسرائيلي كان يستهدف ربط «الرادارات وأجهزة الكشف وأنظمة الاعتراض» الإسرائيلية والعربية في شبكة دفاع جوي إقليمية لمواجهة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وتحقق ذلك الدمج بعد ذلك بالفعل. وخلال العام الجاري، يصف تقرير لـ CENTCOM)) العمليات العسكرية خلال الحرب مع إيران بالتكامل بين الدفاعات الجوية والصاروخية للشركاء الإقليميين، وربط أنظمة الإنذار المبكر وتبادل بيانات التتبع، ويعتبر أن نتائج الحرب دليل على فاعلية هذه البنية. وأكد مايك هاكابي السفير الأميركي في إسرائيل أن الأخيرة أرسلت إلى الإمارات بطاريات من القبة الحديدية وأفراداً لتشغيلها خلال جولات الحرب.
قد يكون من غير المنطقي، اليوم، وفي ظل عدم حسم نتائج الحرب مع إيران الحديث عن سحب القوات الأميركية من المنطقة وتقليص قواعدها فيها، رغم أنها قد تعد خطوة متأخرة في استراتيجية طويلة الأمد تقوم على خلق شبكة تعاون بين الحلفاء للقيام بمهام واشنطن وحماية الأهداف الاستراتيجية فيها. وقد تحفز تلك التفاصيل والتطورات دول المنطقة الحليفة للولايات المتحدة للبحث عن تحالفات جديدة سياسية واستراتيجية وكذلك دفاعية عسكرية وأمنية بالإضافة لتلك التعاونية مع واشنطن، بعد أن كشفت الحرب مع إيران والتحولات المحيطة بالمنطقة منذ سنوات، المخاطر المتصاعدة والأطماع المطردة في خيراتها، في ظل انكشاف دور المظلة الأمنية لواشنطن، والتي تعمل ضمن رؤيتها الاستراتيجية، وليس بالضرورة وفق رؤية هذه الدول، تماما كما فعلت السعودية على سبيل المثال في اتفاق مكة وفي تطوير علاقاتها مع الصين وروسيا. فهل تقصد الولايات المتحدة من تصريحاتها الأخيرة بالانسحاب من المنطقة في ظل اضطرابها للضغط على دولها، كما ضغطت من قبل على حلفائها الأوروبيين لجني مزيد من التنازلات منها، في ظل ظروف استثنائية؟



