وهم الالتفاف على مضيق هرمز

بقلم: الدكتور محمد حسن كحط..
حين أطلق وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت نبوءته الجريئة بأن مضيق هرمز سيفقد بريقه الاستراتيجي خلال عامين ليغدو مجرد مسطح مائي اعتيادي، لم يكن يعبّر عن مجرد تفاؤل تقني عابر في أروقة واشنطن، بل كان يصيغ سردية سياسية متكاملة تفترض أن تدفقات الطاقة العالمية قادرة على إعادة رسم مساراتها بمجرد قرار استثماري.
استند بيسنت إلى افتراض هندسي مفاده أن ما بين 50% إلى 70% من النفط الخليجي يمكن تحويله عبر شبكات أنابيب تمتد تحت الرمال لتتجاوز أهم نقطة اختناق بحري في العالم، خاصة بعد الصدمة غير المسبوقة التي أحدثها إغلاق المضيق وتعطل سلاسل الإمداد العالمية. غير أن الفجوة بين خرائط البنتاغون وغرف التداول في وول ستريت من جهة، وبين جغرافيا الخليج وحقائق الفيزياء من جهة أخرى، تكشف أن الهروب من قبضة هرمز ليس مجرد رهان على مد خطوط الصلب ولكن معضلة بنيوية تصطدم بحقائق جيوسياسية واقتصادية بالغة التعقيد.
إن فكرة الالتفاف حول المضيق ليست وليدة الأزمة الراهنة بل تمثل هاجساً استراتيجياً قديماً متجذراً في العقل التخطيطي الخليجي. ففي صيف عام 1978 وقّعت السعودية وثيقة إنشاء خط أنابيب (شرق – غرب) لربط حقول بقيق بينبع على ساحل البحر الأحمر. في خطوة فسرها وزير البترول السعودي الأسبق أحمد زكي يماني لصحيفة واشنطن بوست، حينها بأنها تحصين ضروري لبلاد تملك منفذاً تصديرياً وحيداً قابلاً للحصار.
مع اشتعال حرب الناقلات في الثمانينيات تحول ذلك الخط إلى شريان نجاة حيوي، وهو النموذج ذاته الذي أعادت أبو ظبي إنتاجه عام 2012 عبر خط (حبشان – الفجيرة) لضخ خامها مباشرة إلى خليج عمان والمياه المفتوحة. إلا أن عقوداً من تجربة السوق رسخت معادلة واضحة: هذه الأنابيب لم تُبنَ لتكون بديلاً تجارياً مستداماً وإنما مجرد بوليصة تأمين باهظة الثمن تُستدعى وقت الأزمات. فالتحميل المباشر من موانئ الخليج عبر هرمز يظل في أوقات السلم الخيار الأرخص والأعلى كفاءة والأسرع لوجستياً. بينما يفرض النقل البري تكاليف صيانة وتشغيل إضافية تلتهم هوامش الربحية في أسواق طاقة لا ترحم التكاليف الزائدة.
تتعمق هذه المعضلة حين تتبدى التناقضات الجغرافية الصارخة بين دول المنطقة، فبينما تحظى السعودية والإمارات بنوافذ بحرية بديلة على البحر الأحمر وبحر العرب تتيح لهما بناء شبكات تفريغ مرنة. وإن كانت غير قادرة على استيعاب كامل فائض الإنتاج في أوقات الذروة تعيش عواصم خليجية أخرى واقعاً جغرافياً مغلقاً. تتجلى المشكلة في العراق بوضوح، إذ تمر الغالبية الساحقة من صادراته النفطية عبر موانئ البصرة الجنوبية.
في حين لا يتجاوز مساره الشمالي عبر خط كركوك-جيهان، إلا نسبةً محدودةً من قدرته التصديرية. الأمر الذي يجعله عرضةً لانتكاسة فورية عند كل إغلاق للموانئ أو تعطل للملاحة. على نحو أشد قسوة تقف الكويت وقطر والبحرين أمام قدرها الجغرافي؛ إذ تقع سواحلها بالكامل داخل الحوض المغلق للخليج العربي دون أي منفذ مائي خارجي ليظل هرمز بوابتها الوحيدة إلى العالم الخارجي، والتي لا يمكن استبدالها بخطوط أنابيب برية دون عبور أراضي جيرانها ودخول تعقيدات سيادية وإقليمية لا تنتهي.
في مواجهة هذا المأزق الوجودي تسارعت التحركات الاستثمارية لإعادة إحياء شبكات النقل البديلة بمليارات الدولارات. في الوقت الراهن تدرس شركة أرامكو السعودية زيادة سعة خط (شرق – غرب) بنحو مليوني برميل يومياً مع بحث ترتيبات لاستيعاب جزء من الخام الكويتي. في حين تمضي الإمارات في مضاعفة طاقتها التصديرية عبر الفجيرة بحلول 2027، ويسعى العراق لإنعاش محور (البصرة – حديثة) كنقطة ارتكاز نحو موانئ تركيا وسوريا والأردن. رغم أن تحليلات مؤسسات مالية كبرى مثل غولدمان ساكس ترجح نظرياً إمكانية تجاوز 60% من النفط الخليجي لمضيق هرمز بحلول عام 2028. في حال اكتمال هذه المشاريع فإن هذه التقديرات تصطدم بفخ اقتصادي حذر منه خبراء الملاحة الدولية، فنموذج العمل لهذه الأنابيب يظل ناجحاً فقط ما دام المضيق مغلقاً، لكن بمجرد عودة الاستقرار الدبلوماسي وتدفق السفن، ستجبر قوى السوق والأسعار التنافسية الشركات على العودة إلى المسار البحري الأرخص. الأمر الذي يهدد بتحويل تلك المشاريع العملاقة إلى أصول ميتة واستثمارات مجمدة تفقد جدواها الاقتصادية.
فإذا كانت هندسة نقل النفط الخام قادرة على ابتداع مسارات التفافية، فإن تجارة الغاز الطبيعي المسال تمثل الحاجز الفيزيائي والاقتصادي الصلب أمام طموحات الاستغناء عن هرمز. لا سيما لدولة قطر التي تمثل ركيزة أساسية لأمن الطاقة في آسيا وأوروبا بنحو خمس الصادرات العالمية. إن تصدير الغاز المسال من مجمع “رأس لفان” ليس مجرد عملية ضخ في أنبوب، ولكن يتطلب خفض حرارة الغاز إلى 162 درجة مئوية تحت الصفر لتقليص حجمه 600 مرة وتحويله إلى سائل يُحمل على متن ناقلات متخصصة عملاقة. هذا المركب فائق البرودة يستحيل نقله في صورته السائلة عبر خطوط أنابيب تمتد لآلاف الكيلومترات عبر الصحراء، مما يعني أن أي محاولة لتجاوز هرمز تتطلب إعادة بناء منظومة تصدير متكاملة من الصفر خارج الخليج، تشمل محطات إسالة وخزانات فائقة العزل وأرصفة تحميل متطورة وهي مغامرة شبه مستحيلة وذات كلفة مالية تبتلع عشرات المليارات وتستغرق عقوداً دون أن تقدم حلاً عملياً للأزمات الراهنة.
تكتمل صورة المشهد بتحدٍ أمني صامت يتجاهله المتفائلون في واشنطن؛ فالأنابيب البرية والموانئ البديلة ومحطات الضخ ليست سوى منشآت جغرافية ثابتة تقع هي الأخرى في مرمى التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة. فضلاً عن أن مخرجات البحر الأحمر تصطدم مباشرة بمشكلة أكبر وهي التهديد الحوثي في مضيق باب المندب. إن خلاصة المشهد تؤكد أن دول الخليج تستطيع بلا شك بناء شبكات أمان تمنحها مرونة تكتيكية وتقلص من قدرة الخصوم على ابتزازها في أوقات الصراع. غير أن فكرة محو هرمز من معادلة الجغرافيا السياسية تظل رغبة نظرية تناقض الواقع، فالأنابيب الفولاذية قد تعيد توجيه بعض البراميل لكنها تعجز عن إعادة كتابة قواعد الجغرافيا وحقائق الاقتصاد الدولي.



