ثقافية

معنى الرثاء التجديدي في قصيدة “الحفيد عبد الله”

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …

يرى الناقد والقاص أ.د مصطفى لطيف عارف أن الرثاء يحتل مكانة كبيرة لدى الشَّاعر حازم رشك التميمي , وهذا يتَّضحُ من خلال كثرة ورود هذا الغرض في أشعارهِ , ولعلَّ سبب ذلك يعودُ إلى فطرة الشاعر النَّقيَّةِ وأحاسيسهِ الفيَّاضةِ وصفاء سريرته , التي جعلت منه شاعراً لا يمتلك القدرة على تحمُّل مشاعر الكَمَد وفراق الأحبة.                                                                                                                          

وقال عارف فراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي)/ أجاد الشاعر المبدع حازم رشك التميمي في رثاء حفيده ( عبد الله) الذي رحل سريعا , فنراه يقول :  صبرك الله يا ابنتي رؤى  يا ضلعه الأبهى وخاصرتهْ ،ويحتلُّ الرثاءُ مكانةً كبيرةً لدى الشَّاعر حازم رشك , وهذا يتَّضحُ من خلال كثرة ورود هذا الغرض في أشعارهِ , ولعلَّ سبب ذلك يعودُ إلى فطرة الشاعر النَّقيَّةِ وأحاسيسهِ الفيَّاضةِ وصفاء سريرته , التي جعلت منه شاعراً لا يمتلك القدرة على تحمُّل مشاعر الكَمَد وفراق الأحبة , ومن ثَمَّ فمن شأنِ حوادث الموت ولواعج الفراقِ أن تُثير فيه المشاعر , وتَستَثير عواطفَهِ لتدفع بهِ نحو البُكاء والأنين , ويمكنُ أن نلحظ توزُّعَ الرثاء لديهِ بين ثلاثة معانٍ , أولها : معنى الرثاء الذي يختصُّ بالشاعر نفسه ,والثاني: يتمثَّلُ بندب النَّفس وما يتصلُ بها من الأصدقاء , أمَّا المعنى الثالث فهو تأبينُ الحفيد عبد الله , فنراه يقول :-  تعبيرَ رؤياه وسنبلتهْ  يا لثغةَ النارنج في دمه 

   ويمكنُ أن نَعُدَّ هذا النوعَ من الرِّثاء لدى الشاعر حازم رشك  مقتصراً على ابنته رؤى وحفيده عبد الله بحكم فداحة مُصابهَا ، إذ كانت قصَّةُ رحيله حافزاً قويَّاً أثارت في نفوس الشُّعراء أحاسيسَهم المُرهَفة, ومشاعرهم الرقيقة وخيالَهم المجنح , فجاء رثاء الحفيد لدى الشعراء بشكلٍ خاص قويَّ الأداء صادقَ العاطفة, وكان في سموِّ مقامه ورفعة منزلتِهِ النَّموذجُ الرَّائع الذي يحتذونه , ليجيء هذا النَّوعُ من الرثاء صورةً صادقةً كُلَّ الصِّدق للعواطف المكبوتة ؛ إذ لا يأتي الرثاء إلَّا عن شعورٍ صادقٍ وإيمانٍ عميقٍ , فكان هذا الرِّثاء أروع مَثَل للانفعال النَّفسي الذي يفيضُ بروحانيةٍ عاليةٍ تُمثِّلُ الفجيعة النادبة , في حوارية جميلة استطاع الشاعر حازم رشك أن يصور لنا في قصيدته الرائعة , فنراه يقول :  

أشعارَه الأحلى وقافيتَهْ    حاءَ اسمه الحاني ولا عجبٌ   في أن تكوني يا( رؤى ) صفتهْ

وأضاف :أحياناً يرتفعُ  الشَّاعر حازم رشك  إلى مستوى الحدث المؤلم , فيأتي رثاؤهُ عاطفيَّاً ، فالشَّاعر يسجِّلُ مشاعره الجياشة في إظهار توجُّعِهُ ممَّا آلَ إليه حالُ فقده المفجع والمؤلم , وقد كثرت الحوادثِ وهواجسُ الهمِّ والأنين من بعده ، وهي علامةُ رحيله عن محبيه  , فالقدرُ قد قسَّم أرزَاءَهُ بيننا وليس بوسعِنَا ردُّه أو الاعتراض عليه سوى تحمُّل مشاقِّهِ وألمهِ ,وقد يعدلُ الشاعرُ عن التَّأبينِ إلى التَّفجُّعِ على المرثي , فيلجأ إلى تعظيمِ الخطب, ويتبنَّى الإشادةَ بما أُثِر عن المرثي من صفاتٍ وميِّزات ؛ تبعاً لمنزلتهِ وقُربهِ من الشاعر حازم رشك الجد الذي فقد حفيده بسرعة البرق ,إذ نستقرئ مشاعرَ الحزنِ والهمِّ التي أثارها رحيلُ الطفل الوديع , ليستفهم الشاعر عن جدوى صمتِهِ أمام هذا الموقف الأليم , إذ كان مُحِبُّوا الشاعر يستمتعون بمُجالَستِه , ويشنِّفون أسماعَهم بأشعارِهِ وما فيها من تشبيهاتٍ وبيانٍ رائعٍ , وبفقدِهِ أصبحوا غرباء , فقد كان اليدُ التي تُمَدُّ لهم , وتُسعِفهم , فضلاً عن ذلك فقد كان المُتحدِّث بلسانهم إذ خبِرَ نواياهم وتطلعاتهم كلَّها, ويمكنُ أن تُعَدُّ العاطفةُ التي اتَّشحَ بها النَّصُّ في ضمن ما يُسمَّيها النُّقَّادُ ﺑ (عاطفة الوفاء)  إذ تعني عندهم عرفانَ الجَّميلِ وحفظ المودَّةِ التي كانت تربطُ الشاعرَ بالمرثيِّ , فالعاطفةُ الحقيقيةُ التي تُفجِّرُ ينبوعَ الرِّثاءِ الحق , إنَّما هي عاطفة الحزن , والأسى , والحرقة التي تستولي على الشَّاعر , فتذوبُ لها نفسُهُ شعراً , فيتَّشح بالسَّواد , وتبلِّلهُ دموعُ الأسى والحرمان , فنراه يقول : لماذا ترحلونَ وتتركونا ؟!!  إذا وطنٌ هناك فأخبرونا

إذا نهرانِ من عسلٍ وخمرٍ    ألذُّ من الفراتِ فأنبئونا

‏إذا برحية نبتت بملح      جنوبيٍّ هناك فبشرونا

وأشار الى ان الشاعر أجاد التركيز إلى النَّص من زاويةٍ اجتماعيةٍ , ومدى تَعَالُقهِ مع الواقع , يكونُ التَّركيزُ على إظهارِ وظيفة النَّص الاجتماعيَّة ,والوقوف عليها على وَفق مفهوم الحياة, والممات , فضلاً عن ذلك فإنَّ هاجسَ الخوفِ من نقد الواقع وشعوره بعدم الرِّضا عنهُ يُحتِّمُ عليهِ سحب الواقع إلى قصيدته أو العكس , لتكونَ القصيدةُ انعكاساً موضِّحَاً للواقعَ المعاش , ومن ثَمَّ فهي مرآةٌ عاكسةٌ لمزايا ذلكَ المجتمع وسلبياتهِ , وهذا الأمرُ حَقَّقَ تلاحُماً بين ذات الشاعر, والنَّص من جهةٍ والموازنة بين واقعهِ والقيم النَّبيلة من جهةٍ أخرى , فَرصدت القصيدة الواقعَ , وعرَّتهُ بسبب الباطل والظلم بكُلِّ أنواعهِ واتجاهاتهِ , وغَدَت مرآةً وصوتاً للمسكوت عنهُ في ذلك الواقع من خلال موضوعة الرثاء وجه الشاعر حازم رشك النقد اللاذع , فنراه يقول :-  إذا كانت شبابيكٌ عذارى… تغنّي ( موطني ) فلتسمِعونا

إذا أرضُ الجنانِ بغيرِ طينٍ… عراقيٍّ لماذا ترحلونا؟!

وختم :إنَّ الشاعر المبدع حازم رشك  في موضوع  الرِّثاء اتسَّم بأُفقَ التَّجديدِ الشعري , وفضاءاته الواسعة , بل التزم معنى الرِّثاءِ التجديدي, أمَّا صفاتُ الرثاء تميزت عنده بذكر فضائل حفيده وابنته رؤى  ومنحه أبعاداً دلاليةً تَزيدُ من الإشادة به , وبمصادر ثقافتِه بين النَّاسِ , فضلاً عن ذلك فقد أكثرَ من معاني البُكاء والتَّأمُّل والحكمة التي تُصاحِبُ دلالةَ الرِّثاءِ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى