العودة إلى الاتفاق النووي أو ضمان الهيمنة الإسرائيلية؟

بقلم/أليف صباغ..
قبل أن تبدأ “المفاوضات” بين إيران مقابل (4+1) في فيينا نهاية هذا الشهر، لا بد من أن نسأل: هل هي مفاوضات أو محادثات أو ماذا؟ وإذا كانت مفاوضات أو محادثات، فما هو جدول أعمال الجلسات المزمع عقدها؟ وهل يمكن للمفاوضين أن يتفقوا على شيء، ومن ثم لا تنقضه قوى أخرى تجلس بعيداً في الكواليس، أو تعطله قوى لا مصلحة فيها بالاتفاق، أو تشد الخناق على الضحية كلَّما رأت ذلك ممكناً؟
علامَ التفاوض؟
الاتفاق الموقع في تموز/يوليو 2015 يقع في 159 صفحة باللغة الإنكليزية، وأجزم أن غالبية الأبواق الأميركية أو من يسمون أنفسهم باحثين ومتخصصين، من الذين يتحدثون في الموضوع، لم يقرأوا نصّ الاتفاق، إنما يعتمدون على بيانات أميركية تم توجيهها إلى الصحافة أو توجيهات من الغرف الإعلامية الأميركية أو على اتفاق جنيف المؤقت من 24/11/2013، وهو اتفاق إطار للمفاوضات فقط، أو اتفاق لوزان من يوم 2 نيسان/أبريل 2015، وهو اتفاق إطار وغير نهائي أيضاً، أو أنهم يخلطون بين العقوبات الأميركية وبين العقوبات التي فرضها مجلس الأمن، وانتهت فاعليتها، ولم تنجح الولايات المتحدة في تجديدها، لكنهم، للأسف، لم يقرأوا الاتفاق النهائي والملزم الموقع بتاريخ 14/7/2015، وهذا قد يكون مصدر التباس الأمور عليهم.
في الطريق إلى فيينا، أميركا مصرة على إبقاء العقوبات الأساسية، ورفع العقوبات الهامشية منها، وبالتدريج، مقابل عودة إيران إلى كل التزاماتها. تبلغ هذه العقوبات بمجموعها 1650 عقوبة، فُرض أكثر من نصفها على إيران بعد انسحاب ترامب من الاتفاق.
كما أنها مصرة أيضاً على العودة إلى الاتفاق النووي من العام 2015 والتفاوض على بعض بنوده من جديد، أو مصرة على أن تضيف إليه أو تربطه بمفاوضات جديدة، وما يسمى بـ”النفوذ الإيراني الإقليمي”، وصناعة إيران للصواريخ الباليستية وغيرها من الأسلحة.
الأنكى من ذلك إصرارها على أن تُجرى هذه المفاوضات الجديدة تحت ضغط العقوبات المتبقية أيضاً. أما وزارة الخارجية الإيرانية، فتقول: “إما يتم الاتفاق فيها على كل شيء، وإما لا يتم الاتفاق على شيء”، فنحن لا نريد الدخول من جديد في أنفاق لا نضمن نهايتها، وأن “على الولايات المتحدة أن تقدم ضمانات بأنّها لن تتخلى عن الاتفاق مرة أخرى إذا نجحت المحادثات لإحيائه”، لأن إلغاء الاتفاق من قبل الطرف الأميركي في العام 2018، كلَّف إيران خسارة تقدر بعشرات مليارات الدولارات، وربما أكثر، فمن يعوّضها عن ذلك؟ ومن يضمن ألا يتكرر الأمر، ولا سيما أنَّ أميركا لم تلتزم باتفاق دولي إلا إذا خدم مصالحها، فمصالحها أعلى من حقوق الشعوب والاتفاقيات الدولية. هذا هو ديدن البيت الأبيض في ظل هيمنتها على العالم، لكن أميركا تنسى أن هذه الحقبة انتهت إلى غير رجعة.
وتتساءل إيران: لنفترض أن المفاوضين في فيينا اتخذوا قرارهم بضرورة إحياء اتفاق تموز/يوليو 2015، كما كان، هل يستطيع البيت الأبيض وحده أن يتخذ قرارات برفع العقوبات المذكورة في الاتفاق وبالآلية المذكورة على علاتها؟ ألا يحتاج البيت الأبيض إلى قرارات من الكونغرس لرفع العقوبات الأساسية التي أقرها الكونغرس؟ وهل يقوم الكونغرس الحالي بذلك، في ظل نشاط صهيوني متطرف في الكونغرس من خلال الحزب الجمهوري، وتعاظم قوته مع الزمن هناك؟ كلّ هذه الأسئلة وأكثر تقف أمامنا عند تحليل المشهد التفاوضي وإمكانية وصوله إلى بر الأمان.
الخطاب الإعلامي الأميركي
لا ينكرَنَّ أحد أن الخطاب الإعلامي الأميركي هو المسيطر في أذهان الرأي العام، لأنه هو المسيطر على وسائل الإعلام، العربية والغربية. ويتلخّص هذا الخطاب بمطالبة إيران بالعودة إلى الاتفاق النووي أو إلى المفاوضات في فيينا، في حين أن الخطاب الإيراني ضعيف الانتشار، وبدلاً من أن يكون هجومياً، وهو الذي يطالب أميركا بالعودة إلى الاتفاق، لا أن تطالبه أميركا بذلك، ويطالب أميركا بأن تلتزم بالاتفاقيات الدولية، وبدلاً من أن يكثف نشاطه الإعلامي الهجومي، نراه خطاباً دفاعياً، يبرر مواقف إيران، ويعد بالعودة إلى المفاوضات، وكأنه هو من استجاب إلى الضغوط الدولية. هكذا، يبدو في أذهان الرأي العام أن إيران تحت الضغط، وكأنها هي التي تتهرَّب من المفاوضات أو تتنكَّر لالتزاماتها، على عكس الحقيقة الموضوعية.
قد يجيب قائلٌ: في مراجعة بسيطة للأحداث، يعرف الرأي العام أن أميركا هي التي انسحبت من الاتفاق. هذا صحيح، لكن من يراجع؟ الرأي العام قصير الذاكرة، ولا يراجع، وأصحاب الرأي مُجندون إلى هذا الطرف أو ذاك، حتى إن المتخصصين لا يقرأون النص الأصلي، إنما يعتمدون على البيانات، ونهج الكذب والتضليل الإعلامي الذي تنتهجه أميركا وأتباعها هو المسيطر على الإعلام.
لذلك، وبسبب هذه الحالة، لا بد من جهد إعلامي إيراني مضاعف عدة مرات، ولا بدَّ من حملة إعلامية مكثفة لاستعادة السيطرة على الإعلام العربي والغربي. ولا يكفي أن نقول: نحن نعلم وأصدقاؤنا يعلمون أننا على حق، وأن أميركا هي المعتدية على حقوق الشعوب.
إدارة البيت الأبيض لا تريد العودة إلى الاتفاق إلا بشروط أميركية، وهم يعلمون أن ذلك غير ممكن، لأن إيران لن تقبل ما لم تقبله في عهد ترامب، ويعلم الرئيس بايدن أنه حتى لو أراد العودة إلى الاتفاق كما هو، ولو قبلت إيران بأن يتم التفاوض لاحقاً على المسائل العالقة، مثل “النفوذ” الإيراني الإقليمي والصواريخ الباليستية… فلن يستطيع العودة إليه، لأن الكونغرس الجمهوري المتصهين لن يمنحه الفرصة لذلك. في هذه الحالة، يجد نفسه في ورطة.
من ناحية، هناك ضغط أوروبي وروسي وصيني على الإدارة الأميركية للعودة إلى الاتفاق كيفما كان، ليس حباً بإيران، بل لأن مصالح الدول الأوروبية على الأقل مع إيران معطلة، إذعاناً لأميركا. ومن ناحية ثانية، لا يستطيع بايدن رفع جميع العقوبات، وإن أراد ذلك.
من هنا، ومنعاً للإحراج أمام الأوروبيين، لا بد من أن يتبنى بايدن خطاباً هجومياً يتهم فيه إيران بأنها هي التي تماطل وتعطل العودة إلى الاتفاق النووي، ويجند الدول الأوروبية لتبني هذا الخطاب، ليس لكي يجبر إيران على العودة إلى الاتفاق، بل ليجبرها على أن تعود إلى مفاوضات، وفق الأجندة الأميركية، نحو اتفاق جديد، أو للعودة إلى مفاوضات من أجل المفاوضات فقط، ثم ينتظر أي فرصة ليعيد الكرة إلى الملعب الإيراني من جديد.
الإيحاء بالضغط العسكري
لأجل ذلك، ولتعطيل العودة إلى الاتفاق كما هو، ما إن أعلنت إيران عن نيتها العودة إلى فيينا، حتى بادرت أميركا بسلسلة من الاستفزازات الميدانية في البحر والبر والجو، لعل وعسى أن ترد إيران بغضب وتجمد العودة إلى المفاوضات أو لتوحي إلى الرأي العام بأن إيران تعود إلى المفاوضات تحت الضغط العسكري الأميركي، وليس الضغط الإعلامي الدبلوماسي فقط.
الأمثلة على ذلك كثيرة، وكان آخرها دخول مسيّرتين أميركيتين إلى منطقة المناورات العسكرية الإيرانية، وقبلها الاعتداء على المياه الإقليمية الإيرانية ومحاولة قرصنة ناقلة نفط إيرانية. يبدو أنَّ إيران فهمت هذه اللعبة، فردَّت على “الضغط” العسكري بقوة أكبر، فتحوّل المشهد إلى ضغط معاكس، لكن النشاط الميداني الأميركي لم يقتصر على المواجهة المباشرة مع إيران، بل مع القوى الحليفة لها في لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين، وخلق بؤر توتر ضد إيران على الحدود مع أفغانستان ومع أذربيجان وأماكن أخرى. ويخدم أميركا في ذلك متعاونون عرب، من رؤساء وملوك وأمراء ووزراء وموظفين طفيليين، ووسائل إعلام مأجورة، اعتادوا أن يقدموا الخدمة لسيدهم الأميركي مقابل بعض فتات المائدة أو خشية غضبه، فيطردهم من وظائفهم ومناصبهم الفاسدة والمفسدة.
ملخّص الموقف الأميركي يقول: إنّ الشّرق الأوسط هو منطقة نفوذ أميركية وإسرائيلية، أو كما سماها هتلر “منطقة حيوية”. ومن يحاول التغلغل إليها فهو يعتدي على المصالح الأميركية ويهدّد أمن “إسرائيل” وهيمنتها بالوكالة. وبالتالي، عليه أن يراعي هذا المبدأ. هذا موقف استراتيجيّ موجّه إلى إيران وسوريا وحزب الله وحتى إلى تركيا.
هل استسلمت “إسرائيل”؟
هل استسلمت “إسرائيل” للموقف القائل إن بايدن مُصرّ على العودة إلى الاتفاق النووي؟ الجواب: لا، قطعاً. الجديد في المشهد الإسرائيلي أنَّ من يقود الحكومة ليس بنيامين نتنياهو، المعروف بصراعه مع الإدارة الأميركية الديمقراطية، إنما هما نفتالي بينيت ويئير لبيد، اللذان يحظيان برعاية أميركية إلى أبعد الحدود، منعاً لعودة نتنياهو، المزعج للإدارة الديمقراطية، إلى الحكم. هذه الرعاية تتطلَّب تجاوباً أميركياً مع مطلب الإجماع الصهيوني على عدم العودة إلى الاتفاق النووي، وهو ما عبّر عنه بينيت ولبيد بوضوح في مناسبات متعددة، فهل هذا يكفي “إسرائيل”؟
مرة أخرى، الجواب: لا، قطعاً، فـ”إسرائيل”، بحكومتها ومعارضتها اليمينية المتطرفة، تعمل جاهدة في أوساط الكونغرس لمنع بايدن من الاستجابة لمتطلبات العودة إلى الاتفاق النووي، أي رفع العقوبات كلها عن إيران.
“إسرائيل” واللوبي الصهيوني، المسيحي واليهودي والمسلم، يعملون على تعاظم قوة الحزب الجهوري في الكونغرس، ليكون الضامن الأفضل لمنع رفع العقوبات، وبالتالي منع العودة إلى الاتفاق النووي، إلا بما يتفق مع ضمان الهيمنة الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وهو جوهر مقولة “ضمان أمن إسرائيل”، لأن ضمان أمنها لا يتم إلا بضمان سيطرتها وهيمنتها على الشرق الأوسط كمنطقة نفوذ أو منطقة حيوية لـ”إسرائيل”.
ما دور حكّام الخليج العرب؟
لا مكان للحديث عن دول عربية في الخليج أو حتى أنظمة، إنما عن حكام. لذلك، سنتحدث عن مواقف الحاكم، وأهمهم محمد بن سلمان آل سعود. هذا الأمير متورط في جرائم معادية للإنسانية، ولو لم يكن مدعوماً من الولايات المتحدة، لما استطاع الخروج من قصره، خشية اعتقاله ونقله إلى قاعات المحكمة الدولية للجرائم ضد الإنسانية.
هذا الأمير مصرّ على أن يصبح ملكاً على السعودية بعد والده الملك سلمان، وهو لا يستطيع ذلك ما لم ترضَ عنه الولايات المتحدة. ابن سلمان متورط في حرب وحشية ضد اليمن، ارتكب خلالها جرائم حرب فظيعة أيضاً، ولا يمكن أن يهرب من المحاكم الدولية إلا برعاية أميركية. كي يحصل على هذه الرعاية والرضا، لا بد له، وفق قناعاته وقناعات كل من لديه شعور بالنقص، من استرضاء “إسرائيل”.
أما “إسرائيل”، فتطلب منه تطبيعاً مقابل وساطتها، وهو في المقابل يخشى الدّخول في التطبيع الرسمي قبل الوصول إلى هدفه، وهو العرش، فمن يضمن ألا تنقلب “إسرائيل” وأميركا عليه بعد أن تحصل “إسرائيل” على ما تريد، وقبل أن يحصل هو على ما يريد؟ هل لذلك كله علاقة بالمفاوضات النووية في فيينا؟ نعم.
لنفترض أنَّ ابن سلمان تصالح مع إيران، واقتنع بأنَّ البرنامج النووي الإيراني هو برنامج سلمي لا يشكّل خطراً على السعودية، فماذا يستفيد من هذه المصالحة؟ لا شيء، لأنه، في المقابل، سيسأل نفسه: كيف يضمن عرشه برضا أميركي وإسرائيلي؟ إنه في ورطة حقاً، ويعيش في مستنقع من الوحل.
التناقضات الكبرى
لنفترض أنَّ أميركا عادت إلى الاتفاق النووي، ولم تنجح اللوبيات الصهيونية والمتصهينة (المسيحية والإسلامية) بمنع بايدن من ذلك، وذهب ابن سلمان وتصالح مع إيران، كيف سيؤثر هذا في “إسرائيل” وفي مخططاتها في الشرق الأوسط؟ هنا، تتضارب المصالح الدولية لحفظ الأمن والسلام ومصلحة شعوب الشرق الأوسط من جهة، مع المصلحة الاستراتيجية لـ”إسرائيل” من جهة أخرى.
من مصلحة “إسرائيل”، ولتنفيذ مخططاتها في إقامة شرق أوسط جديد تحت نفوذها وهيمنتها المدعومة أميركياً، أن يبقى حكام الخليج العرب في حالة قلق دائم من إيران، ومن شعوبهم التي قد تنقلب عليهم. هكذا تصبح إيران عدواً مشتركاً للحكام العرب ولـ”إسرائيل” ضمن تحالف واحد بقيادة الأخيرة.
وتبقى “إسرائيل” هي المزوّد الأساس للتكنولوجيا، بما فيها أجهزة التجسّس على الشعوب المقهورة وقمعها من قبل هؤلاء الحكام، ولا سيما أنّ أميركا تقلّص تواجدها في الشرق الأوسط ونفوذها اليومي لمصلحة النفوذ الإسرائيلي.
لذلك، تبقى مصلحة “إسرائيل” بأن لا تعود أميركا إلى الاتفاق مع إيران، لأن عودة الاستقرار في الشرق الأوسط ستقرب الأنظمة العربية وشعوبها من بعضها البعض، وهذا يعني استثمارات عربية هائلة في مشاريع اقتصادية عربية مع سوريا ولبنان للوصول إلى البحر المتوسط، ومن هناك إلى أوروبا، بدلاً من الشواطئ الإسرائيلية.
أما التقارب، فيعني التنمية والتطور العلمي والتكنولوجي، وهذا سيقرّب العرب من إيران ذات القدرات العلمية المتقدمة. كلّ هذا يعني ضغطاً عربياً وإسلامياً مشتركاً لإقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة وذات سيادة، وهذا كلّه يتعارض مع استراتيجية الهيمنة الإسرائيلية المستدامة، وهي الّتي تضمن أمنها الدائم. من هنا، لن تسمح الصهيونية العالمية، اليهوديّة – المسيحيّة – الإسلاميّة، بأن تتحقّق العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، لأنه سيعني استقراراً في الشرق الأوسط، ولأنه يتعارض مع الجهد المبذول لـ”ضمان أمن إسرائيل”.



