“144 قطرة من بحر” مسرحية عن الفرار إلى المجهول

المراقب العراقي/ متابعة…
تتطرق مسرحية ”144 قطرة من بحر“، للمخرج نوفل عزارة، لموضوع الهجرة غير النظامية أو المعروفة بـ ”الحرقة“ في تونس، ضمن طرح يراوح بين الدراما والكوميديا السوداء التي تنقل واقعا مؤلما حد الضحك، وعبثيا قاسيا حد البكاء واليأس.
وتطرح المسرحية التي أنتجتها جمعية ”زنوبيا“ المسرحية، بالتعاون مع مسرح ”التياترو“ بالعاصمة تونس، أسئلة كثيرة حول هذه الظاهرة، التي تتفاقم وتزداد حدّتها يوما بعد يوم، وما الذي يدفع شبابا في عمر الزهور إلى الإلقاء بأنفسهم في البحر وهم يدركون مسبقا أن حظوظهم في الوصول إلى الضفة الأخرى ضعيفة، وأنّ حظهم في الحياة الكريمة هناك وإن وصلوا، غير مضمون.
هي أسئلة تتكرر في كل مرة يُطرح فيها موضوع الهجرة غير النظامية، لكن الإخراج المسرحي للفكرة يجعلها أكثر جذبا وتأثيرا على المتلقي، فعلى خشبة المسرح، وهب الممثلون، آمال العويني وكريم الخرشوفي وجهاد الفورتي وملاك الزوايدي ومراد طواهرية وثريا بوغانمي، أجسادهم وحركاتهم وكلماتهم وصمتهم، لتبليغ حجم المعاناة والأسى الذي يواجهه الشباب الذين لم يجدوا حظهم في وطنهم، وباتوا مدركين إدراكا يقينيا بأنّه لا مستقبل لهم في هذا الوطن، فاختاروا ”قوارب الموت“، متطلعين إلى بصيص نور قد يتراءى لهم مع اقترابهم من الأراضي الإيطالية، وقد يكون ذلك النور ليس سوى سراب ترتدّ معه أحلامهم، وتتحطم على صخرة واقع مرّ.
ولا تخلو حركات الممثلين والكلمات التي ينطقون بها من رسائل تضع الجميع أمام مسؤولياتهم في معالجة هذه الظاهرة التي فتكت بآلاف الشباب، مسؤولية الدولة والإعلام والمجتمع المدني، وقبلها مسؤولية الأسرة والحلقات المفقودة بين كل الفاعلين في تكوين شخصية شاب يافع له طموحه وأحلامه، وانحرافاته وخروجه عن النص إن غاب التأطير وغابت المسؤولية.
وتجذب المسرحية متابعيها منذ إعلان عنوانها، ولماذا تم اختيار الرقم 144 من بحر لا عدّ لقطراته ولا نهاية لعدد أمواجه المتلاطمة، وتأتي الإجابة بأسلوب غير مباشر يتم إعلانه عن طريق الممثلين، ليتبين أنه يرمز إلى حادثة غرق 144 شابا كانوا يتطلعون إلى غد أجمل وإلى حياة كريمة قبل أن يلفظ البحر جثثهم، تاركا اللوعة في نفوس أهاليهم والحسرة في قلوب من عرفهم، ولكنه لم يترك الموعظة لمن سيأتي بعدهم من الشباب ويقرروا خوض المغامرة على الرغم من إدراكهم لحجم مخاطرها.



