ثقافية

الكرباسي يفتح في ظلال العروض مغاليق الأوزان الشعرية

jkpoipio

القسم الثاني

د. نضير الخزرجي

ليست الوطنية كل الوطنية أن يعيش الإنسان في وطنه وحسب، بقدر ما هي حب الوطن وخدمة العباد والبلاد، فهناك الكثير ممن يبيع الوطن بدراهم معدودة وهو لم يغادر مسقط رأسه أو محل سكناه، وهناك من يعيش خارج الوطن وقلبه ودمه على الوطن يدافع عنه بما يمكن، مستفيداً من الحرية التي يتمتع بها والقوانين التي تحكم بلد الاغتراب أو الهجرة في الدفاع عن وطنه أو الاستثمار فيه، بعقله وخبرته، لما فيه صالح الوطن الأم.. في المقابل هناك من تأسره أعراف الغرب، فينسى وطنه ونفسه ودينه، ويتخلى عن أعرافه، معتقداً أن الذوبان في التقاليد الغربية يرفعه الى مصافهم، مع أن التقاليد الغربية فيها الشين وفيها الزين، وفيها ما يلفظه المجتمع الغربي نفسه، وعن هؤلاء الذين استهاموا بالغرب حتى نسوا تاريخهم ودينهم وتراثهم قال الأديب الكرباسي في مطلع بحر مجزوء المستطيل..

بلادُ الغرب فخٌّ بِبُستان … بها خسرانُ دينٍ وإخوانِ
وهي من البحور المستحدثة ووزنه:
مفاعيلن فعولن مفاعيلن … مفاعيلن فعولن مفاعيلن
وإلى مثل هؤلاء الذين نقدهم الدكتور شبين في تقدمته، يعود ليحدَّ ظُبَّةَ نقده شعراً، فيقول في ملحق بحر مجزوء المستطيل في قصيدة من أحد عشر بيتاً:
مريجٌ كالسراب الذي يغوي … ظماءً بين غِبٍّ وولهانِ
ثم يقول:
غويٌّ كلُّ مَن ظلَّ فيها مســـــ … ــــتهاماً فوق تَيْهاءِ حَيْرانِ
إلينا مدَّت اليمَّ إغواءً … ومثل الموج يسري الجديدانِ
فكم من مواطن قريب من التربة تنازل عن الوطن وكم من مهاجر غريب عن الأهل نازل من أجل الوطن، فالوطني أينما كان هو الذي يحبط المؤامرات، والمتآمر هو المنزوع عن الوطنية وحتى وإن لبس لبوسها، وفي هذا يقول الأديب الكرباسي من بحر المشتبك التام:
مؤامرةٌ قُطعت خيوطُها بني الوطن … وناصرها نفرٌ نزت على مِللٍ فبدتْ إحَنْ
ووزن البحر المستحدث هو:
مفاعلتن متفاعلن مفاعلتن متفاعلن … مفاعلتن متفاعلن مفاعلتن متفاعلن
ويكمل الدكتور شبين قصيدته الملحقة من اثني عشر بيتاً فيقول:
أُكابدُ أنفسَ طغمةٍ تُثيرُ ضغائنها الفتنْ … وتأتمرُ الظلماتُ في مسارحها بهوى الوثنْ
ثم يقول:
لنا بلدٌ عرصاتُهُ بأعظُمِ أضلُعِنا استوتْ … وفي خضرات حقوله احترفتُ مُغازَلَة الفَنَنْ
حفظتُ ضُحاهُ من الهباء حينَ ترصَّدَهُ السوا … دُ، حاصرَ كلَّ مروجهِ، وأغمضَ أعيُنهَ العَثَنْ

بلادَ أبي لكِ مُهجتي وبَوْحُ نشيج ربابتي … ظمئتُ ولمْ أرَ ساقياً يشقُّ لذي الغَلَلِ الرَّشَنْ
ويعود الكرباسي في مجزوء بحر المشتبك لينظم عن علم الوطن وبيرقه بوصفه رمز الوطنية، فيقول متأسفاً على سقوطه:
لقدْ سقطَ العلمُ الذي علا وطناَ … وزالَ به علمٌ قضى له زمنا
وهو من وزن بحر مجزوء المشتبك وتفعيلته:
مفاعلتن متفاعلن مفاعلتن … مفاعلتن متفاعلن مفاعلتن
وعلى هذا الوزن ينظم الأديب شبين ملحقه من ثلاثة عشر بيتاً، فيقول:
بنودُكِ ندفعُ من دمائنا الثَّمَنا … لها، فنسيمُكِ أمُّ يُذهِبُ الحَزَنا
ثم يضيف في الأبيات الثلاثة الأخيرة:
أنا الوطني أرى اللواءَ لي شرفاً … فإن هو أهْوَ بغابة الدجى وَهَنا
وإنْ بكَ أبْكِ دماً بليلٍ غُربتِهِ … وإن دَجَ أخْبُ مساءَ مغربي غَبَنا
عشقتُ بلادُ لواكِ رمزَ ملحمةٍ … حروفَ قداستهِ أُعَلِّمُ الزَّمَنا
فالوطني حق الوطنية هو الذي يرفع اللواء ويلتف حوله أينما حلّ وارتحل، من هنا فإن الأديب الكرباسي الذي عاش المهاجر والاغتراب في إيران والشام والمملكة المتحدة، وفي الأخيرة بدأ منذ عام 1987م بتأليف أول وأكبر موسوعة عن الإمام الحسين(ع) في 900 مجلد صدر منها 92 مجلداً، يُظهر بين مدة وأخرى حنينه الى مسقط رأسه كربلاء المقدسة، فينشد من بحر المستكمل المسدّس المرفول الموقوص:
عشقتُ تُرابَ طفِّ الحسينِ … فلا أحدٌ يُوازي حنيني
وهذا البحر من المولدات التي استحدثه الأديب الكرباسي، حيث ألحق بالبحور المستحدثة 50 بحراً مولداً أعطى لكل واحد منها اسماً، ووزنه:
مفاعلتن فعولن فعولن … مفاعلتن فعولن فعولن
وهنا يواصل الدكتور شبين ملحقه في أحد عشر بيتا، فيقول:
أرومُ بلاد سرِّ اليقين … ونبعَ دمي وفجرَ الجبين
ثم يضيف في البيتين الأخيرين:
بقرب رُباكِ أمِّي أعيني … ببُعدكِ ليلُ خوفي قريني
أظلُّ أعُدُّ عُمري مرايا … رسمتُكِ في ضُحاها المبينِ
أوزان وأفكار
في الواقع لا يمكن حصر الأغراض التي تعرض إليها صاحب المطالع، فهي بالمئات، فقد حرص الأديب الكرباسي في كل بحر مستحدث أو مولّد، على تناول غرض من الأغراض الحياتية، فجاءت الأغراض الشعرية بعدد البحور تقريباً، وحسب قول الدكتور محمد مسعد العودي في تعليقه على ظلال العروض: (جاء السفر موسوعة من الأفكار تتشعب إلى شعب، لكل شعبة معنى يزيدُ القارئ فلسفة وإدراكاً، ويفيدهُ تحصيلاً لما اختلف من المعارف والأذكار).
وحيث توزعت قصائد الجزء الأول في مطالعها وملاحقها على 75 بحراً جديداً مستحدثاً، وقصائد الجزء الثاني على 74 بحراً مستحدثاً، فإن الجزء الثالث ضمّ بقية البحور وهي 61 بحراً كالتالي: (المستطرد، المستطرف، المستطيل، المستظرف، المستغرب، المستقرب، المستقضب، المستكمل، المستسقى، المستهزج، المسرّح، المشارك، المشبّه، المشتبك، المشترك، المشذّب، المصداح، المصطفى، المصفّى، المصلح، المضارع، المطّرد، المطوّل، المعكوس، المفصول، المقارب، المقبول، المقتضب، المقرّب، المقسّم، المقسوم، المقضّب، المكمّل، الممتد، المزوّج، المميّز، المنبسط، المنتقى، المنسرح، المنسرد، المنفصل، المنقّى، المنقسم، المهزّج، الموجز، الموزون، الموفّر، الموفور، الميسّر، النادر، النّشب، النّشيب، النقي، الهزج، الهزيج، الوافر، الوجيز، الوزين، الوفير، اليتيم، اليسير).
لقد بدأ الأديب الجزائري الدكتور عبد العزيز شبين في الجزء الأول بقصيدة بعنوان “وليد الدوح” أثنى على الفقيه الكرباسي بما جادت قريحته العروضية، وهي من الوافر قال في مطلعها:
حَجَتْ بمعينك الوُرْقُ الظِّماءُ … وفاضت من فم السلوى دِلاءُ
وأنهى الجزء الثالث والأخير بتقريظ تحت عنوان “الجندي المجهول”، والقصيدة من المسرّح المجزوء، قال في مطلعها:
يا مطلعاً أنحوهُ مِسْكاً جرى … في مُلحَقٍ من إحساسي اخْضَوْضَرا
ثم يقول:
كرباسُ طيباً فوّاحاً زادهُ … ما أطيبَ البدءَ الأنقى الأعطرا
وما عبّر عنه الدكتور شبين نظما، عبر عنه الدكتور العودي نثراً في خاتمة الجزء الثالث، داعياً شعراء العمود وشعراء الحداثة الى الاستزادة من البحور الكرباسية بلحاظ أن ديوان ظلال العروض بأجزائه الثلاثة: (عمل تطبيقي لما أوردته نظرية العلامة الكرباسي في العروض من كتابه “هندسة العروض من جديد”، فظئاب المطالع والملاحق رسمت من أولها إلى آخرها إيقاع الشعر العربي الجديد بتامه ومجزوئه ومشطوره ومنهوكه ومستهلكه، فلعلّ الوزن هذا يكون مستساغاً لدى المتأدّبين والمشتغلين بالشعر، فيكون قالباً يُفرغون فيه خيالاتهم، ويصقلون به قرائحهم، فتتَّسع المداركُ والأخيلةُ بتنوع الإيقاع واتساعه).وهذه حقيقة لمستها بأنامل الشعور من خلال قراءتي الأدبية للأجزاء الثلاثة من (ظلال العروض)، رغم أني لست من حزب الشعراء، فكيف مَن يرى نفسه من هذا الحزب، فالأجدر بهم أن يتنقلوا في مدرجات تطبيقات البحور الكرباسية، فهي فتح واسع في الأوزان تَعكس في مرآة الشاعر ألواناً من ألوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى