ثقافية

نصري حجاج: أنشودة السينما الفلسطينية ومرثيتها الحزينة

 

كمال القاضي..

النعي الذي نشرته عبير حيدر زوجة الكاتب والمخرج الفلسطيني الكبير نصري حجاج، كان مرثية مُوجعة تليق بغياب مُبدع ظل حتى الرمق الأخير مشغولا بالأوطان التي عاش فيها، واستوعبت أحلامه، وترك فيها أثراً من ذكريات وحكايات حلوة ومُرة، فلم يغب عنه حُلم العودة لفلسطين وأرضها وترابها، فقد أوصى بنثر رماد جثمانه ما بين البقاع العزيزة والبلدان الحُرة التي حملته حياً فامتن لها حياً وميتاً، مُخيم عين الحلوة في جنوب لبنان، وعند قبر والدته في صيدا وقرية الناعمة وسوريا وتونس.

لقد أغنت الوصية التي أنبأت بها الزوجة عن كل كلمات الوفاء والولاء وأبيات الشعر وعرائض النثر، فالرجل الذي مات غريباً في العاصمة النمساوية فيينا عن عمر ناهز السبعين عاماً، أوجز في خطابة وعوّض عن كل المعاني بدلالات الأمكنة وخلفيات المشوار الطويل، الذي مشاه حافياً على جسور الشوك مُهتدياً بضوء الموهبة التي جمع فيها بين الكتابة الأدبية، والإبداع السينمائي، فهو خليط من ثقافة مُتنوعة امتزجت فيها السياسة والصحافة بالسينما والقصة القصيرة، فصار مالكاً لأدواته ثرياً في لغته مُرهفاً في إحساسه.

ولد نصري حجاج في مُخيم عين الحلوة عام 1951 فأبوه من قرية الناعمة في فلسطين وأمه لبنانية الأصل، وقد انخرط في صفوف الثورة الفلسطينية مُبكراً فاكتسب خبرات سياسية واسعة انعكست بعد ذلك في أعمالة الأدبية القصصية وأفلامه التسجيلية والقصيرة، إذ اعترف هو نفسه بأنه دخل عالم السينما من بوابة القصة القصيرة، التي لم يستمر في كتابتها طويلاً، حيث هوى السينما فاستغرق فيها ولم تترك له مجالاً للإبداع القصصي، لاسيما أنه انتقل للدراسة في بريطانيا وأبعد منها بعد استكمال دراسته مباشرة، فجاب بعض عواصم العالم طولاً وعرضاً، لكن ظلت لتونس مكانة خاصة في قلبه النابض بحب فلسطين والبقعة العربية الخضراء. وظل نصري حجاج يتحرق شوقاً للقرى والمُدن الفلسطينية، وما بين نوبات الشوق والشوق، كان يُطفئ نار اللهفة والفراق، ببعض الإبداعات، ولعله نجح تماماً في ترجمة إحساسه الصادق حين فرّغ كل مشاعر الحنين إلى الوطن والأصدقاء والبيوت القديمة والشوارع والمزارع والحارات، فأنجز فيلم «الحقل القرمزي» عام 2015 وفيلمه الأهم «ظل الغياب» الذي شكل بانوراما شاملة عن حياة من سبقوه إلى الموت، إذ ضمّن البانوراما الإنسانية الشجية، مواقف وأزمنة وأبعاداً وسيراً ذاتية لأولئك الذين رحلوا وفوق شفاههم رحيق فلسطين.

وفي ظل الغياب لم يعتن حجاج كثيراً بلغة الرثاء، ولم يُخصص لها حيزاً ولا هامشاً واسعاً من المساحة الدرامية، لكنه أمعن في طرح قضية أكثر قوة وحضوراً، ألا وهي حكمة الغياب والابتعاد والنفي خارج البلاد، إذ كرر طرح السؤال الحائر الباحث عن إجابة بلا جدوى بين أوراق الساسة والمفاوضين والوسطا،ء والشركاء.. لماذا تحمل فلسطين وحدها وزر العالم وأخطائه التاريخية، ولماذا هي بالذات غنيمة المُغتصب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى