“حين أردتُ أن أنقذ العالم”تواجه مأزق الوجود بقصائد مشاكسة

المراقب العراقي/ متابعة…
تثير الشاعرة جيهان عمر في ديوانها الرابع “حين أردتُ أن أنقذ العالم”، الصادر حديثاً عن (دار المرايا في القاهرة) تساؤلاً محورياً يتعلق بميكانيزم الكتابة، وفعل ممارسة الحياة، في آن واحد. هذا التساؤل الذي يتبلور من تلقاء ذاته داخل القصائد، هو، ماذا بإمكان الشعر أن يفعل، إزاء عقارب ساعات توقفت معلنة نهاية الزمن، وأمكنة تحجرت مؤكدة انسداد الأفق؟
ولا تنتظر الشاعرة المصرية كثيراً حتى تشرع في حسم موقفها من هذه الإشكالية، وتفصيل الإجابات عن كافة التساؤلات المتعلقة بجدلية الوجود والعدم، إذ تعلن صراحة على امتداد صفحات الديوان التي تجاوزت المئة، أن الشعر المشاكس، عند هذا المأزق الخطير، ليس من خصائصه الاستسلام الاستسهالي للسكون والعتمة، ما دام ينطوي على بصيص من طاقة، ويدخر توقيته الخاص في نبضات قلبه، ويختزن دروباً سرية في عروقه، ومن ثم تصير الكتابة عملية حيوية غائية، تمثل آخر محاولات النجاة من المصير المحتوم، ولو بطوق إنقاذ وهمي للذات وللآخرين، “أذهبُ إلى الغريق، أجره إلى اليابسة، لكنني آسفة، لم أكن معك، فجررتُ نفسي”.
لا تنفك الشاعرة، صاحبة “أقدام خفيفة” و”قبل أن نكره باولو كويلو” و”أن تسير خلف المرآة”، تراهن على نجاعة الحروف الشعرية على وجه الخصوص، إذا انبرت كسيوف طفولية لمبارزة أعداء هم الأقوى بكل تأكيد، وستكون لهم الغلبة في النهاية بلا شك، لكن هذا التصدي الشجاع بحد ذاته هو الوجه الحقيقي للانتصار على تحالف جيوش الجمود والخواء والتعاسة والتبدد والتلاشي. مثلما أن معنى الوصول الجوهري هو أن يسعى الإنسان إلى التحرك ولو في خيالاته وأحلامه، وأن يحتفظ بفكرة التدفق والعبور من الشقوق مهما يكن ضيقها أو انغلاقها، “أُشبه الماء، أتدفق دون أن أعلم إلى أين، فكلما وجدتُ شقاً عبرتُ، لا أستطيع التوقف حتى لو أردتُ، لن أستطيع، حتى حينما يكون التوقف ضرورياً”.
ومن أجل هذه الرغبة القوية في الصمود، وإقامة علاقة شد وجذب مع الصخور القاسية، تتماهى الذات الشاعرة مع الماء، في مجموعة من القصائد، من قبيل، “لا تُعد السمكات إلى البحر”، و”سيرة ذاتية للبحر”، و”نهر يتدفق من خلف رأسي”، وغيرها. وتمكنها تلك الطبيعة المائية من إطفاء ألسنة النار بعض الوقت، لكنها تخلف وراءها رماداً لا يزول، كما قد تتسع تجاويفها وأمواجها لسمكات أليفة تتنفس في داخلها، محتفظة بجرعات أخيرة من المرح. وحتى حينما تتبخر، فإنها تتعلق بغيمة، على أمل في التساقط من جديد قطرة قطرة، على رؤوس العابرين.
تدرك الشاعرة دائماً، حتى في قصائدها البحرية المتمردة على الأوضاع القهرية السائدة، جيداً أن العمر المقبول هو مجرد لحظة هاربة من أيدي القناصة، لكن ضآلة تلك اللحظة لا تعني عدم الحرص عليها، وعدم التفنن في الاستمتاع بها، فليس بالطول أو القصر يتحدد قدر الزمن أو مذاق الحالة التي يعيشها المرء، وإنما بالقيمة والكيفية والعمق، “الريح تقبل البحر قبلة خفيفة، وتهمس بكلمات حب، ثم تهجره دون اكتراث، تغيظه بالحرية، لا مكان محدداً يأسرها، هو، المُكبل بهذا العمق، باق كالأبد”.



