اراء

لُغز اكتساح “طالبان” السريع للمناطق الافغانية.. سيناريوهات الصراع المستقبلية

 

بقلم/د. علي دربج..

 

طرح الاكتساح السريع لـ”حركة طالبان” الارهابية، لمناطق واسعة من افغانستان وتطويقها للعاصمة كابول في الايام القليلة الماضية في اعقاب بدء الانسحاب الاميركي من هذا البلد، اسئلة كثيرة حول ما يحدث هناك، وكيف ولماذا تكسب “طالبان” بهذه السرعة، ولماذا تتراجع القوات الأفغانية في العديد من المناطق؟ وما يعنيه ذلك بالنسبة لمستقبل أفغانستان؟ وما هي العثرات التي ارتكبتها كل من الحكومتين الأميركية والأفغانية وساهمت في تقدم الحركة؟ فضلا عن تداعيات القتال الدائر، والكارثة الإنسانية التي من المتوقع ان تتفاقم في المدى المنظور، بسبب تاريخ طالبان الحافل بالجرائم والفظائع والمذابح وانتهاكات حقوق الانسان وازدراء المرأة.

بحسب “شبكة سي ان ان” الاخبارية الاميركية في تقرير لها في 13 اب/ أغسطس، أغسطس الجاري،” تحتل “طالبان حاليًا، حوالي 17 من أصل 34 عاصمة إقليمية في أفغانستان ـ تم الاستيلاء عليها جميعًا في الأسبوع الماضي (الوقائع الميدانية على الارض تتغير كل ساعة)، وتتقدم نحو العاصمة كابول”، وذلك بعد هجوم لا هوادة فيه استمر لأشهر في البلاد أدى إلى إرهاق قوات الحكومة الأفغانية.

اجتاحت طالبان جميع أنحاء البلاد من خلال هذه المناطق بسرعة. لكن ليس من الدقة القول إن طالبان تسيطر الآن على جميع المقاطعات التي استولوا عليها، لأنهم في كثير من الأماكن لم يشكلوا حكومة ظل. لم يتركوا حامية من مقاتليهم للسيطرة على المنطقة. في بعض الأماكن، كانوا يتسببون في هروب القوات أو الشرطة الأفغانية ، والاستسلام ، والتراجع ، والعودة ببساطة إلى ديارهم”.

ويلفت واتكينز الى انه “عندما نرى خريطة أفغانستان مع كل الأراضي ذات الرموز الملونة (انظر الخريطة المرفقة)، فليس الأمر أن طالبان لديها سيطرة كاملة على تلك المساحات الكبيرة. بل  أن تلك البؤر الاستيطانية الصغيرة في القرية قد سقطت واحدة تلو الأخرى ، كون لا يوجد أحد في الجوار لمنع طالبان من الإغلاق على المدن.

قد يقول البعض أن السبب في ذلك هو الانسحاب الأمريكي. واذا كان هذا صحيحا ، فهو يعتمد على التأثير النفسي لذلك الانسحاب، وليس العسكري.

كادت الولايات المتحدة أن تبني مظلة مصطنعة للأمن مع عدد الطائرات التي تحلق وعدد القنابل التي تسقط على طالبان في السنوات السابقة ، مما خلق حاجزًا وقائيًا بحيث كانت لا تحتاج قوات الأمن الأفغانية معها للقتال. كلما اقتربت طالبان من الأماكن، كانت هناك دائمًا طائرات أمريكية لإخراجهم.

من الممكن للجيش الأفغاني صدّ طالبان، فهو لديه القدرة على القيام بذلك. لكن السؤال هو ما هو التأثير النفسي لفقدان الدعم الجوي الأمريكي، خصوصا ان لدى الحكومة الافغانية قوة جوية ، لكنها ضعيفة جدا، مقارنة بالقوة الجوية الاميركية، وعدد الذخائر التي كانت الولايات المتحدة تسقطها في السنوات التي سبقت شباط 2020. من هنا لا يمكن لسلاح الجو الأفغاني سد هذه الفجوة.

فالانسحاب الكامل للدعم الجوي الأمريكي كان بمثابة إشارة للحكومة الأفغانية بأنها متروكة لمصيرها، ومن شأن ذلك أن انعكس تراجعا في معنويات الحكومة الأفغانية، ينما تعززت في صفوف طالبان.

اذ استغلت طالبان حالة الضعف والتردي المعنوي الذي تعيشه الحكومة الافغانية هذا الايام مع توالي الانسحاب الاميركي، واصبحت تتمتع بقدر أكبر من الحرية في التحرك في جميع أنحاء البلاد. لقد تمكنوا من التعافي والتخطيط والاستعداد لهذه اللحظة خلال معظم العام الماضي.

في كل انتصارات طالبان، ثمة شيء مهم هنا  يجب الالتفات اليه، وهو على قدر من أهمية استيلاء الحركة على عواصم المقاطعات، وهو أنها بدأت في الاستيلاء على نقاط جمركية كبيرة مع دول آسيا الوسطى التي تحد أفغانستان، وكذلك على نقاط العبور إلى إيران وباكستان. وهذا سيحرم الحكومة من الدخل، ويمكّن طالبان من فرض ضرائب على التجارة لتمويل قتالهم.

وانطلاقا من ذلك كله، وبالنظر إلى المستقبل، هناك ثلاثة مسارات محتملة للصراع في افغانستان:

الاول | الخنق البطيء: كانت الاستراتيجية الرئيسية لطالبان هي احتلال المناطق الريفية التي يصعب على الحكومة الدفاع عنها ، ثم تطويق المدن وزيادة الخوف المحلي والسيطرة على حد سواء. الآن يتم تنفيذ هذه الاستراتيجية على نطاق وطني، مع سيطرة طالبان على المقاطعات بطرق تقطع المدن الكبرى عن بعضها البعض، وتقييد الإيرادات والسلع في العاصمة ، وتطويق العاصمة كابول وعزلها بشكل متزايد وهو ما يحصل الان. توضح خريطة المناطق التي تسيطر عليها طالبان مدى تطويق كابول من الشمال والجنوب والغرب.

الثاني | نقطة التحول: يتضمن هذا السيناريو وصول طالبان إلى نقطة تحول نفسيّة حيث يبدو أن انتصارهم النهائي لا مفر منه لكتلة حرجة من القادة السياسيين ووسطاء السلطة الذين يغيرون مواقفهم أو يستسلمون بسرعة لتجنب القتال المكلف أو الاضطهاد في ظل نظام سياسي جديد. وقد حدث هذا بالفعل في كثير من الحالات، مع تقارير تفيد عن انقلاب البعض على الدولة الافغانية، واستسلامهم، بشكل يفوق عدد حالات المعارك الضارية. من الناحية التاريخية، هذه هي الطريقة التي تتغير بها السلطة في كثير من الأحيان في أفغانستان. في عام 1996، سرعان ما أصبح ما بدا وكأنه تقدم ثابت ولكن بطيء لطالبان، بمثابة هزيمة للفصائل الافغانية الاخرى.

الثالث: القفز من الحضيض، وهو السيناريو الأكثر تفاؤلاً، هو أن الحكومة الأفغانية وائتلاف القادة السياسيين المناهضين لطالبان سوف يحفزهم التهديد الوجودي الذي يشكله تقدم الجماعة، للدولة، وبالتالي سيدفعهم الى الاتحاد في شكل أكثر تنسيقاً وحيوية، ويشكلون جبهة معارضة حماسية. بدا أن الرئيس الاميركي جو بايدن يعتمد على هذا السيناريو عندما أشار الثلاثاء الماضي، إلى أن “الولايات المتحدة تواصل تزويد قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية (ANDSF) بالدعم الجوي والموارد الأخرى”، لكنه قال: “يجب أن يرغبوا في القتال. “

إذا تمكنت طالبان من احتلال افغانستان ، فستواجه تحديات حكم رهيبة أكثر وفي مقدمتها، نفور بعض الجماعات العرقية ، والغالبية العظمى من المواطنين الأفغان من طالبان، إذ انهم لا يريدون العيش تحت حكمهم، وذلك بالنظر إلى الفظائع والسياسات القمعية الأخيرة التي ارتكبتها، علاوة على ذلك افتقار “الحركة” لخطة واضحة أو خبرة في إدارة دولة حديثة، وبالتالي هذا سيحرم طالبان مساعدات كبيرة كانت تنتظرها من المانحين، وينزع عنها الشرعية التي اكتسبتها نتيجة اتفاق السلام مع اميركا.

 

إن إبطاء زخم حركة طالبان ليس بالمهمة السهلة ـ ولكن لا أحد في المنطقة يريد أن يرى سيطرة طالبان على السلطة أو يستفيد من آثار سقوط كابول. حتى لو استغرق الأمر بعض الوقت لإعادة تجميع القوات المناهضة لطالبان، فإن الثورة المضادة تبدو حتمية ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية متوازنة وشاملة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى