ثقافية

فيلم «أن تكون هناك»: الشخصيات المبتكرة وفاعليات التأويل

 

 مهند الخيكاني..

هذا الفيلم لو شئت تصنيفه تصنيفا شخصيا، فهو ينضم إلى قائمة الجمال المبكي، مرافقا لعينات نادرة قافزة عبر محطات الزمن المتموجة، لتعلن عن نفسها في حضورٍ ضوئي ساطع، بين أضواء خافتة أو مريضة أو حتى مدعية. هو ذاك الجمال الدقيق المنساب الرقراق، حينما يغازل فيه الأسلوب التفاصيل دون انقطاع أو توتر، حتى تحين الل/حظة التي يتوحدان فيها على درجة واعية من الانصهار.

فيلم «أن تكون هناك» فيلم منقول عن رواية بهذا الاسم، حاز جوائز عديدة، وتسعدني إضافة شخصية «تشانس» البستاني إلى قائمة الشخصيات المبتكرة التي لا تنسى، وذلك ببساطة لأنها تركيبة نادرة يسعفها من جميع جهاتها تلك المهارات الطافحة، وهي تشيّد لها مناخا للولادة والتطور. العجيب في هذه الشخصية أنها شخصية ثابتة ولا تمر بتغييرات محسوسة سوى الطفيف جدا وغير الملحوظ، وهي غير مفضلة كثيرا في السرديات، لكنها تتحول إلى مفتاح لكل أبواب الدهشة، حين يصبح ذلك الثبات موردا ثمينا تتجلى من خلاله الإرسالات السردية، وتلعب دورا في فرض طابعها الشخصي على المحيط المتباين، فيرتد الأخير إليها بجملة انبعاثات سلوكية من شأنها صناعة الأحداث البؤرية، ثم تنطلق إلى توسيع الدائرة.

لن أخوض في جسامة المضمون، ولا إشاراته الفلسفية، بقدر ما أود لو ألفت النظر إلى جانب واحد لا غير، وهو جانب يتناغم مع صفات الشخصية الجوهرية، حيث أن تشانس البستاني، رجل كبير إلا أنه مجهول الماضي، ربته خادمة في بيت رجل ظلت العلاقة به مجهولة أيضا، يتراوح عمره بين العقد الرابع والخامس. تشانس لم يخرج من البيت مطلقا، وكل ما يعرفه عن العالم هو من التلفزيون والراديو. ولهذا السبب فهو يعيش بشخصية تلقائية عجيبة وصريحة، تتخذ من مهارته ومعرفته في البستنة، طريقة للخوض في حوارات مع الآخرين، بالأحرى هو قالب استعاريّ يبدو لدى المستقبِل، لكنه بالنسبة للشخصية حديث جاد عن الشيء الوحيد الذي يبرع فيه ويعرف كل خباياه/ البستنة/ الحدائق.

ضربة هذا الفيلم هي ضربة موجهة إلى الطبقة السياسية بالدرجة الأولى، ثم إلى المجتمع ثم إلى العالم الإنساني ككل، حيث أن البستاني ومن خلال سلوكه هذا سيحبه ويحترمه كل من يلتقيه، رغم أنه لا يقول سوى كلمات وجيزة، يقصد بها شيئا غير الذي يقصدونه، وفهما غير الذي يطمحون إليه، فهو يعيش بعقل طفل لم تحرثه الخبرات والتجارب بعد. صريح وتلقائي وبسيط، جعل جميع من حوله بالخصال المنبوذة إلى حد ما في عالمنا، يعتقد أنه رجل صاحب فكر عال، وله رؤية نافذة في دهاليز الحياة وأنفاقها! هذه الضربة موجهة بكل ثقلها إلى الابتعاد عن الأساسيات الصغيرة، هذه التي هي عماد الصواب أو الأصوب، كما أنها انتقاص من مآلات السياسة والمجتمع.

وقد ورد على لسان أكثر من شخصية في القصة، تنتمي لأكثر من محيط سياسي، أمريكي أو روسي – حسب ما ورد – بأنْ منحته الإعجاب ذاته. ولأن العالم لن يصدق أن رجلا مثله لم ير الحياة سابقا من الخارج، حتى اضطرته إلى ذلك وفاة الرجل المسن صاحب البيت، صاروا يلوّنونه باعتقاداتهم، ويلبسونه لبوس الخبير والمفكر، في محاولة منهم لتقريب عباراته وسلوكياته إلى تأويل يتناغم مع التصورات المنطقية للواقع الذي يعيشونه.

تعتمد مثل هذه الاشتغالات في صلبها على «سوء الفهم» بمعنى أن الشخصية ذات التفكير التلقائي البسيط والطفولي، تقول كلاما لا هو معقد ولا هو ساذج، كلاما ينتمي إلى تركيبتها وعشقها للحدائق، فيفسر الآخرون أقوالها باتجاهات أخرى، كي تتلاءم مع مقاصدهم وطريقة تفكيرهم، حيث يتم تشبيه وترميز الحياة إلى حديقة بما تحوي من زروع وأشجار وتربة وبذور وسقاية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى