خزعل الماجدي: الشاعر لا تعوزه الكلمات تعوزه النوافذ

محمود شرف 1-2
في الشمال من العراق، في مدينة كركوك، ولد الشاعر العراقي الدكتور خزعل الماجدي في عام 1951، نزح منه إلى ليبيا في عام 1998، ثم انتقل إلى هولندا، منذ أكثر من عشرة أعوام، وهو يعيش هناك، يكتب الشعر الذي بدأه في سبعينيات القرن الماضي، وأثمرت تجربته ما يناهز عشر مجموعات شعرية، عدا أعماله الكاملة التي صدرت في ثلاثة أجزاء، إلى جوار الشعر، يعدّ الدكتور خزعل واحدا من أبرز الذين يشتغلون في حقل الأسطورة وتاريخ الأديان، وله مساهمات بارزة في تقصي حضارة العراق القديم، أو ما يسمى بوادي الرافدين، كذلك كتب المسرحية، وله كتاب مهم في نظرية الشعر بعنوان «العقل الشعري»…في هذ الحوار نتحدث حول أشياء كثيرة، نستجلي من خلالها آراءه في واقع العراق، وفي المشهد الشعري العربي؛ العراقي على وجه الخصوص، كما لا يخلو الحديث من شجون تثيرها معرفته العميقة بإشكاليات الثقافة العربية، ومجتمعاتنا، التي تبقى مختطفة لصالح الجهل والتخلف والمرض، مستعصية على محاولات ـ خجولة ـ للمرور بها نحو مستقبل أفضل.
هذا الحوار، وإن كان الشعر مرتكزه الأساس، إلا أننا حاولنا من خلاله البحث عن إجابة لبعض الأسئلة الكبرى في حياتنا، سياسيا، وثقافيا، واجتماعيا، ولم نبتعد عن الشعر أيضا، فهو عنصر الوجود!!
* تعال بنا نعد إلى البدايات.. كيف تصفها الآن ؟
– الحقيقة.. البدايات كانت كبدايات أي شاب بسيط، تفتح وعيي مع بداية حقبة السبعينيات في القرن الماضي، كان الوسط الثقافي يمور بحركة كبيرة، اندمجت في هذه الحركة بشكل سريع، وتقدمت مع مجموعة كبيرة من أبناء جيلي في طريق تأسيس ما عُرف في ما بعد بجيل السبعينيات، وهو جيل تال على جيل الستينيات الشهير في الشعر العراقي الحديث، المعروف بطروحاته المتطرفة، وبانحيازه للغموض والفوضى، وهو كان محقا في هذا الاتجاه في حقيقة الأمر، فقد كان الظرف في هذا الزمان ينبئ بهذا، أو يشي به، نحن تقدمنا بمشاريع جديدة للشعر، لا تتناقض مع جيل سابق بهذا المعنى، بل بالعكس، لكنها وقفة جديدة أمام جماليات جديدة، هناك حنوٌّ على فكرة الروح، على لمسة الروح داخل القصيدة، لم يكن الشعر عندنا شكلانيا لهذا الحد، كانت فيه لمسة روحية، وأعدنا الاعتبار لجمال الشعر، الشكل الجمالي الأنيق، وفي الحقيقة لم نتوقف عند هذا، كل واحد منا فيما بعد اختط لنفسه طريقا، في ظل الظروف التي دخل فيها العراق بعد الثمانين، عندما حلت الحرب وأصبحنا أمام بيئة وظرف جديد كليا، وتغير شعرنا أيضا، ونهضت معنا أجيال أخرى جديدة، هكذا كانت البدايات.
* وكأن الآية مقلوبة هنا بين العراق ومصر، في مصر يُتهم السبعينيون بأنهم دخلوا بالقصيدة منعطفا جديدا يتسم بالغموض ويعتمد فعل التجريب كمعامل رئيس في الكتابة، على العكس من الجيل السابق عليهم.
– في الحقيقة أن مصر تأخرت قليلا في مسألة زحف هذه الأشكال الشعرية الجديدة، على اعتبار أن القصيدة الجديدة (وقتها) كشكل، كانت قد بدأت في العراق على يد نازك الملائكة والسياب والبياتي وبلند الحيدري، كان جيل الخمسينيات هذا، أتى الستينيون ليثوروا على هؤلاء، وهذه هي سُنّة الأجيال، يأتي كل جيل بأحلامه وطروحاته أيضا، وفي نفس الوقت لم نكن كجيل بعيدين عن فكرة الغموض، لكنه اختلف عن التناول الستيني، صار الشعر لدينا أكثر هدوءا، أكثر تأملا، ذهبنا إلى الأعماق المعرفية والوجدانية والروحية لبلادنا، والتراث الإنساني، اعتنينا بشكل أكبر بالجانب الروحي من حولنا. وفي مدة من المدد كنت أكتب الشعر الغامض، عرّفت الشعر ذات مرة بأنه «ذلك الكلام الغامض الجميل»، وما زلت أحب هذه المدة من حياتي، بكل ما كتبته من شعر فيها، وقناعتي هي أن أي شعر يخلو من غموض هو ليس بشعر، وأي شعر أيضا يخلو من الجمال هو ليس بشعر، وهذه إشكالية كبرى: كيف يمكن للشعر أن يكون غامضا وجميلا في نفس الوقت ؟!
* تتحدث عن الغموض في الشعر وكأنه شرط لجودته؟
– لا أرى الغموض شرطا، لكنه محبب، الغموض في الشعر يكسبه بقاء، ففي هذه الحالة لا يسلِمُ الشعرُ قِيادَه بسهولة، لا يسلم أسراره، وأنا مارست هذا الغموض بقوة، خصوصا في مدة الثمانينات، كتبت مثلا «خزائيل»، وهو مادة مليئة بالغموض، ولديّ مجموعات أخرى كذلك، موسيقا لهدم البحر أيضا، لكني لم أتوقف أمامه وكأنه سيصير ملازما لي إلى الأبد، انكشفت قصيدتي بعد ذلك، أفادتني الجماليات هذه في ما بعد، عندما كتبت مجموعاتي الأخرى، التالية، كتاب الإيروس مثلا، وهو سبعة نصوص في الحب، لا تستعمل الغموض بقسوته، بل تفيد من تقنياته، وتقدم الجديد في رؤيتي للعالم.
* ما «خزائيل»؟
– هو اسمي باللغة الأرامية، اسم مكون من مقطعين؛ «خزا»، و «إيل»، المقطع الأول يعني الرؤية، والثاني تعني الإله، وهو اسم يمتد بجذوره إلى الآشورية وربما إلى الأكادية أيضا، يعني المقطعين معا: رؤية الإله، أو الإله يرى، وهو اسم منحوت أطلقته على أحد كتبي الشعرية.
* «أحزان السنة العراقية» كتاب يعد روزنامة شعرية لأيام سنة 2006 بالعراق، من أين أتتك فكرة تدوين روزنامة شعرية ؟
– صدر الكتاب عام 2010، تناولت فيه ما حدث عام 2006، في حوالي 800 صفحة تتبعت أيام هذا العام بأحداثها، فهذا العام هو أكثر الأعوام دموية في تاريخ العراق الحديث، حيث كانت البلاد معرضة للانزلاق في فخ الحرب الأهلية، وتعرضت أنا بشكل شخصي لمصاعب كبيرة في هذا العام، حيث خُطف ولدي الأكبر «مروان»، ولا أعلم مصيره حتى الآن، خُطف «مروان» في الأول من شباط، انتبهت بعد هذا اليوم أنني كنت أكتب له قصائد هذا الديوان الضخم، كتبت يوميا قصيدة على الأقل، كتبتها له ولما يحدث يوميا من انفجارات وقتل مجاني وقتل على الهوية، خمسمئة قتيل يوميا تقريبا في هذا الوقت، أصبحنا على شفير الهاوية، انتبهت دون أن أدري أنني كنت أرصد هذه الأحداث شعريا.




