ثقافية

في “أختفي في الضوء” علي لفتة سعيد يصنع جمالية المفارقة اللغوية شعريا

المراقب العراقي/المحرر الثقافي…

يرى الناقد مهدي هندو  ان الشاعر والروائي علي لفتة سعيد في مجموعته الشعرية “أختفي في الضوء” يصنع جمالية المفارقة اللغوية شعريا بعد أن حصد الجوائز العربية كروائي في العديد من المسابقات التي كان آخرها جائزة توفيق بكار عندما فاز بالجائزة الثانيّة عن روايته “حبّ عتيق”.

وقال هندو في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي )يعتبر العنوان لأي منجز إبداعي الباب الأول في دخول فضاءات النص وفهمه واستيعابه ويقول (جيرار جينيت) في كتابه معمار النص” أن العنوان نصا” صغيرا” يختزل ويختصر النص الكبير” ولذلك يجب الإقرار بأن العنوان هو هوية المنجز على اختلاف أنواعه ، وغالبا” ما يوظف الشعراء في عناوين مجموعاتهم الشعرية وحتى عناوين قصائدهم المفارقة اللغوية باعتبارها تخلق توترا دلاليا في هذه العناوين كما هي في النصوص الشعرية من خلال التضاد للوصول إلى الدهشة ، لذلك يقول الناقد ( بروكس ) ” .

وأضاف: أن الحقيقة التي يسعى الشاعر إلى كشفها لا تأتي إلا عن طريق المفارقة ” ونلحظ في هذه المجموعة الشعرية التي عنونها شاعرها علي لفته سعيد (أختفي في الضوء) قد وظف في عنوانها المفارقة اللغوية والتي أعطت بدورها إضاءة جمالية لعنوان المجموعة حيث تشكل من نقيضين أو تضادين هما الاختفاء والضوء، ومن المعروف أن الاختفاء يحدث في الظلام أو العتمة لأنه يحتاج إلى وسيط لا يظهر الشيء المخفي، بينما نلحظ أن الشاعر علي لفته سعيد أضافة لفظة الضوء إلى لفظة الاختفاء اشتغالا” على تقنية الانزياح التي أعطت جمالية لعنوان المجموعة، وبفضل توظيفه لجمالية المفارقة التي تتطلب من القارئ تأمل عميق في كشف دلالات التضاد أو التناقض الذي استخدمه الشاعر في تغليف عنوان مجموعته الشعرية.

وتابع: كما أن لفظة أختفي عندما يطالعها القارئ أول ما يتبادر إلى ذهنه مكان الاختفاء وربما يتوقعه، إلا أن مروره على لفظة الضوء تكسر له أفق توقعه وهذا ما أراده الشاعر من توظيفه المفارقة اللغوية وليشد انتباه القارئ من خلال المفردات المثيرة في سياق العنونة ، والمفارقة أسلوب بلاغي يعتمد التضاد في المعنى، فهناك معنى خفي وأخر ظاهري، وظف الشاعر علي لفته سعيد المفارقة في تضاد المعنى لإعطاء القارئ مساحة في البحث عن دلالات العنوان المتناثرة في فضاءاته الواسعة.

وأوضح: لقد قسم الشاعر مجموعته الشعرية أختفي في الضوء إلى قسمين وجعل لكل قسم عنوان فعنوان القسم الأول (أحدثك عن الضوء) وهنا نلحظ أن العنوان حمل مفارقة لغوية أيضا” قوامها التضاد في المعنى الخفي والظاهري فحتما لا يقصد الشاعر الحديث عن الضوء بمعناه الظاهري، أي الحديث عن ماهية الضوء أو خصائصه أو قياس سرعته، لكنه أراد المعنى الخفي لهذا الحديث تاركا للقارئ محاولة اكتشافه من خلال القراءة المتمعنة في نسيج العنوان.

وبين: لقد استخدم الشاعر الوظيفة الإيحائية للعنوان والقائمة على توليد معنى في ذهن القارئ والتي تتوافق مع المفارقة اللغوية في اعمال الفكر للوصول إلى المعنى الخفي والحقيقي، من خلال شفرات وإيحاءات العنوان باعتباره المفتاح لدخول عوالم النص.. أما عنوان القسم الثاني ( يختفي في الحلم ) فهو يحمل المفارقة أيضا” وجاء على غرار بنية العنوان الرئيسي للمجموعة، فلفظة يختفي تحتاج أيضا إلى وسيط يخفي الأشياء ولا يظهرها وهي نقيض للفظة الحلم الذي هو هلامي وجاء اشتغال الشاعر على تقنية الانزياح أيضا” لإعطاء العنوان جمالية وفي نفس الوقت إعطاءه صراع في المعنى الخفي والظاهري، كما هو في عنوان القسم الأول لقد أعطى الشاعر علي لفته سعيد نصيبا” للمفارقة في بعض عناوين نصوص المجموعة الشعرية.

وواصل: يطالعنا هذا العنوان لأحد نصوصه وهو ( فرح المقابر ) فالمفارقة في هذه العنوان واضحة من نقيضي اللفظتين الفرح والمقابر فالمعروف أن الفرح يرافق الأماكن المخصصة له من مثل النوادي والساحات وحتى النفوس وأن أماكن مثل المقابر يرافقها الحزن والبكاء، إلا أن الشاعر علي لفته سعيد أراد في هذه المفارقة التي وضعها في عنوان نصه الشعري المعنى الباطني أو الخفي في تبيان الزيف الحياتي وكشف وتعرية الواقع الإنساني :

أعطيك إسمي

لتضحكي كثيرا” على البؤس

وتتحاشي البكاء على المعاني

ونصفق ولو كذبا” على المساء

أمنحك أخر كأس لترياق الهموم

وختم :لقد اشتغل الشاعر على توظيف المفارقة اللغوية في عنوان مجموعته الشعرية وأقسام المجموعة بنسق متماسك ما يعكس إبداع الشاعر في تقديم مفاتيح مدهشة لقراءة غير متوقعة تتجسد في ألفاظ وأفكار متناقضة تستدعي انتباه القارئ في البحث عن المعنى الحقيقي بوصفه مفسرا” للنص.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى