مكي حسين.. اكتشاف القدرات الخفية لفن النحت

جمال العتابي..
لم يكن ممكنا أن تستمد الاشكال النحتية للفنان مكي حسين ديمومتها من محيط التأثر، لكنها رغم رغم ذلك صارت قناة إيصال أعادت حالة التوازن مع العالم، ومنحتها روح الألفة الحميمة بالإنسان، وهذا هو السر في ديمومة فن مكي حسين، لأنه، بمعنى ما يحمل في طياته روح الزمن الراهن، ومعطيات الزمن الآتي. وقد أدركه الغياب عن الوطن، وبعدَ عنه، عندما تغوّل الكابوس ليزرع الخوف والرعب في البيوت، وبدأ تكدسْ الموت على الأبواب، فكانت الرحلة الأولى للمنافي، وكان مكي حسين قد انتهل من كل الروافد والينابيع والأنهار الرافدينية، متأثراً بالتجارب التشكيلية العراقية الرائدة، إنها اللحظة الفارقة، التي شهدت بداية التحولات الثقافية والفنية، ترافقها محاولات النفاذ بالتجربة الشخصية إلى أعماق الحياة العراقية، وإستيعاب صورة الإنسان فيها، في تحولاته الوجدانية والفكرية.
مكي حسين الفنان المولود في البصرة عام 1947، المتخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1967، شارك مع فنانين عراقيين في معارض عديدة في عقد السبعينيات من القرن المنصرم، وواصل المشاركة بعد مغادرته العراق، عام 1979، وكان آخر معرض شخصي له، أقامه في مدينة لاهاي الهولندية، عرض فيه تمثاله (صرخة من عمق الجبال) الذي أدان فيه مجزرة (بشتاشان) ضد فصائل الأنصار في كردستان.
منذ أول تمثال برونزي نفذه حسين، (الرجل صاحب الجناح) قبل أن يختار المربع كثيمة تعبيرية في أعماله اللاحقة، كان مكي يبحث بقلق واضح عن الشكل الرامز لطموحه في تحقيق شخصية تنسجم وروح العصر، تلفّت إلى كل الجهات، استعار الرموز، وذهب إلى كل ما جنحه من أخيلة، وما أحياه من أفكار، تمثل حقيقتنا الزمنية، التي نحيا داخل أسوارها، فكانت الرحلة المضنية في مجملها البحث عن الحرية.
يقول الناقد التشكيلي عادل كامل: شهدت أعوام الستينيات، تشكل حضور مجسمات مكي حسين، إلى جانب تجارب إسماعيل فتاح، طالب مكي، اتحاد كريم، جوشن إبراهيم، مقبل جرجيس، خلود سيف، فرحان، فضلاً عن نشاطات الرواد، وتمسكهم بأكثر الصياغات إقناعاً، ديالكتيك المخيال بالذاكرة، أو المعاصرة بالموروث، كما في تجربة عبد الجبار البناء، محمد الحسني، صالح القره غولي، عبد الرحمن الكيلاني، ميران السعدي، لتشكل هذه السنوات، روحاً حية كما وصفها الشاعر فاضل العزاوي.



