«بين قلبين» رواية تكشف أدواء مجتمع حطمته سنوات الديكتاتورية والحروب والحصار

المراقب العراقي/المحرر الثقافي …
يرى الناقد شكيب كاظم ان مؤلف رواية «بين قلبين» علي خيون استطاع ان يكشف أدواء مجتمع حطمته سنوات الديكتاتورية والحروب والحصار و تتناول في كثير من احداثها مرحلة حواسم ما بعد سقوط الطاغية.
وقال كاظم في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): ينفتح الفضاء الروائي لرواية «بين قلبين» على شارع الأميرات، في حي المنصور البغدادي الراقي الأنيق، و(ليلى) ابنة الأستاذ الجامعي (عاهد كمال الدين) تسير متوجهة نحو بيت (زهير الماجد) الذي لم تزره منذ مدة طويلة، تتعرض وهي تسير وحيدة في هذا الشارع الهادئ، إلى معاكسات شاب نزق، لا يلبث أن يطلق لسيارته العنان، بعد أن واجه صدوداً، لتنهال الذكريات – وهي في سيرها- بما يشبه الاسترجاع، الذكريات القريبة والبعيدة، منذ أيام الدراسة في كلية الصيدلة، حيث عقد الحب البريء النقي بين قلبين؛ قلب ليلى وقلب زميلها المؤدب (رياض الأمين) الذي اغتنم إنهاءه الدراسة وتخرجه صيدلياً، فاصطحب أمه واخته لدار الأستاذ الجامعي الدكتور عاهد كمال الدين، المؤرخ، الذي يواجهه بتعال وجفاء، كونه ما زال غض العود ليس بمكنته تهيئة عش الزوجية، لكن الأب المثقف دارس التاريخ – ما يؤكد ازدواجية الإنسان، وإن ثمة افتراقا بينا بين المظهر والمخبر- كان يرنو نحو (عصام) نجل الثري زهير الماجد، هذا الأب الوصولي، الأقرب إلى نهج المرابي، جعله المؤلف ، الذي سيجوس بمبضعه أدواء المجتمع العراقي، جعله يدفع ضريبة باهظة، إذ تتعرض داره إلى ضربة جوية، أثناء حرب كانون الثاني/يناير 1991- وما أكثر حروبنا – تحيل الدار ركاما، ولم يعثر عليه إذ تشظى، سوى العثور على ساعته المربوطة على رسغه.
وأضاف: ان«بين قلبين» قسمها المؤلف إلى قسمين، يؤرخ الأول للحياة في بغداد منذ 15 تشرين الأول/أكتوبر 2002، وحتى التاسع من نيسان/إبريل 2003 وتبخر الدولة العراقية، والثاني الذي شاء علي خيون أن يبدأ به بفاصل سنة؛ أي في 15 أكتوبر 2003 وحتى 2004، واندلاع الفوضى والانفجارات والاغتيالات، وظهور الإنسان على حقيقته، لا يرعوي ولا يعف عن ارتكاب أوسخ الدنايا، فهذه (ناهد) ابنة (فاضل) المقاول، الذي شعاره من يتزوج أمه فهو عمه، أما من افِلَ فهو لا يحب الآفلين! والذي يدس نفسه في كل عهد وزمان، فيأخذ ما يشاء بشتى الطرق، ولكل مرحلة طريقها الخاص، وها هو يدس أنفه مع الجدد ويحصل على مقاولات مربحة، إنه كالمنشار!.
وأشارالى ان الروائي يوجه أصابع الاتهام إلى الناس، في محاولة منه لكشف هذا السلوك المجافي لأسس الحياة الرصينة وتعريته، الذين عاثوا فساداً ونهباً وتدميراً وحرقاً لمرافق الحياة في البلد، ما أن رأوا اختلال الأمن، واختفاء القانون والدولة، حتى انقلب (جزاع) الخادم في بيت زهير الماجد، وزوجته (صبرية) اللذان كان زهير وزوجته، يغدقان خيرهما عليهما، ما أن رأوا انفلات الزمام، حتى انقلبا إلى وحشين مفترسين، غادرا منزل زهير الماجد، ليستوليا على أحد البيوت المطلة على شارع أبي نواس، كما سرقا – يعاونهما (عباس) أخو صبرية – البيتَ الحكومي المجاور الذي غادره حراسه لواذاً وهم يرون الفوضى،وينقلنا المؤلف الى الرجل الذي سحب من المصرف كل ما يملك، كي يعالج زوجته، يتوجه إلى ليلى في صيدليتها في حي المنصور، يشتري الدواء له ولزوجته، ما أن يغادر الصيدلية حتى يفجعه مرآى الزجاج الجانبي لسيارته المهشم بقسوة، والمبلغ الذي استولى عليه الفاعلون.
وأوضح: يكشف علي خيون، أدواء هذا المجتمع الذي حطمته سنوات الديكتاتورية والحروب طويلة الأمد، والحصار الذي أتى على كل قيمه، والمهم أن رأس الطاغية لم يتبخر! ألم يقل مرة وهو يتمشدق في قتال ثلاث وثلاثين دولة: اتبخرنا؟ نعم أنت لم تتبخر، لكن تبخر المجتمع العراقي، وتبخرت قيمه وفضائله. وبين : يواصل الروائي ، توجيه عدساته المكبرة إلى هذه الأدواء وهذه الخطايا، واقفا عند وصولية (لميس) ابنة ذلك الضابط الكبير، التي تتعرف في تلك الحفلة التي أقامها – كما ذكرت آنفا – زهير الماجد في دارته الأنيقة الفارهة، تتعرف إلى (أنور) المقدم الطيار؛ ونجل الأستاذ الجامعي عاهد وشقيق ليلى الصيدلانية، ويتقدم لخطبتها، وتشتعل الحرب؛ حرب سنة 1991، فيؤمر بتنفيذ عملية انتحارية بطائرته، غير أن طائرته تُسَقط ويقع في براثن القنابل العنقودية، ويخسر يده اليسرى، ويطول عليه الأمد أسيراً، حتى ظن معارفه الظنون، فتغتنمها لميس، لتتعرف إلى (سعيد) ابن فاضل المقاول الذي لا يحب الآفلين!.
وأستدرك :لكن من أجل أن يكون العمل الروائي واقعياً، ومقبولاً ومتماهياً مع حقائق الحياة والأشياء، وإن الدنيا ليست دناءة وسقوطا أخلاقيا وانتهازية، بل ثمة جوانب إيجابية ومشرقة، ولولاها لأمست الحياة جحيما، ومن هذه الشخوص الإيجابية ليلى الصيدلانية،ظلت نموذجا إيجابيا، تساعد الفقراء في صيدليتها، تحنو على (نجيبة) أم زوجها عصام، بعد تلك الفاجعة التي حاقت بها، وظلت بسيطة حتى مع الخادمة صبرية.
وأاستطرد :ولأن الحياة أمست لا تطاق، بعد هذا العصف القاتل الذي ضرب الحياة العراقية بعد 2003، فإن الروائي علي خيون – الذي عرف بأسلوبه المركز ولغته التعبيرية الجميلة – ولأن ليلى هذا النموذج الإيجابي في الحياة، ما عاد بمكنتها مواصلة الحياة مع هذا الركام المجتمعي، فلا مناص من أن يضع حدا لهذه العذابات، بعد فقد الزوج الحليل، فلا هو أسير ولا هو ميت وبعد استحواذ ناهد، ابنة المقاول فاضل، على دار أبيهم الذي اقترن بها، وبعد تحطم شقيقها أنور المقاتل الطيار، تحطمه جسديا بفقده يده، ونفسيا بفقده خطيبته التي خذلته، ما عاد يشدها إلى الحياة شيء. تذهب إلى المصرف لاستبدال نقودها القديمة، فتلتقي مصادفة، ولعلها مفارقة برياض الأمين، زميلها السابق في كلية الصيدلة، والمتقدم لخطبتها، الذي لم يقبله أبوها لفقره! وقد وَخَطَ الشيبُ شعر مفرقه، رأت لكن يا لهول ما رأت؛ مجموعة من المسلحين تهاجم سيارة زهير الماجد، الذي جلب – هو الآخر- نقوده القديمة كي يغيرها، تقتله وتسرق نقوده، ثم دوي انفجار هائل يضع حدا لحياة ليلى عاهد كمال الدين.
وختم :ينجح الروائي علي خيون، وهو يصور تهويمات ليلى الأخيرة، منتقلة نحو ذلك العالم الأثيري، الذي ينتقل إليه الإنسان مغادرا حياته الدنيوية نحو اللا أين! «اقول لكم من عل حيث لا يمكن أن تروني: إنني أموت، لكن موتي حياة!
هدأ المكان تماماً، ولاحظ الجميع أن رجلاً يحمل كيسا من النقود، يدور حول جسد ليلى المسجى في الشارع، تأمل وجهها، وألقى ما في يده مذعورا، وهو يهز يدها بقوة: – ليلى ،عندئذ جثا إلى جوارها، وانخرط في البكاء، بينما تطوع عدد من المارة ليقدموا لهما المساعدة الممكنة، وسمع رياض أحدهم يسأله:
– أهي قريبتك؟ هيا، لننقلها بسرعة إلى المستشفى، ما فتئت تتنفس!
كان يتأمل مشدوها، المصحف الصغير الذي لاح لعينيه يتدلى من عنقها.
وتبسم، على الرغم مما هو فيه، لذكرى جميلة، جمعت بين قلبين».



