“رحلة الناس في هرم الحواس” استخدام الموهبة الأدبية لإيصال المعنى الفلسفي

أحمد مانع الركابي..
هناك بعض الكتب , تشقّ طريقها بسهولة للجمهور؛ وذلكَ يرجع لحرفية الكاتب في رسم الهدف الذي من أجلهِ ألّفّ الكتاب , وطريقة الاستدلال وتوظيف المعنى , والتي تعتبر من أهم الجوانب التي يرتكز عليها الكتاب في مخاطبة العقل , وهذا ما نجدهُ في كتاب (رحلة الناس في هرم الحواس) للمـــؤلف وائــــــل غازي شعبان .الذي جعل من هرمية الحواس بوابة يلج من خلالها لعالم الإدراك والوعي المرتبط بالنزعة النفسية للإنسان , وما تؤمن به من قيم اجتماعية كالعدالة والتسامح والأخلاق . فهذا الكتاب يمثل إضافة حقيقية للمكتبة العربية ؛ كونه متفرد في أسلوبه وطريقة تناوله للمفاهيم , حيث نجد الجاذبية الفكرية والعمق والبساطة مجتمعة في آن واحد .
فوائل يستخدم موهبته الأدبية في رسم الصورة وايصال المعنى الفلسفي للقارئ دون أن يتجشم العناء والكد الذهني لفهم المرامي التي يريد ايصالها له . فالكتاب كما أراه يدور في فلك التصوف المعرفي الذي يجعل من الحواس طريقا يوصل للحقيقة التي حين يتذوق الإنسان طعمها يرى الحياة وفق منظار روحي لا يتطابق جوهره مع القوانين المادية المجردة . ولعلّ نقطة الانقلاب في حياة المؤلف هي التي أعطته الزخم ليخوض هكذا تجربه فريدة ؛ فوائل كاد أن يغادر هذه الحياة عبر نفق الموت الذي تجلّت له صورته ؛ نتيجة حادث مؤسف تعرض له في نهايات عام 2006 , أخضعه لرحلة علاج طويلة حركت في نفسه مكنونات عميقة ساكنة , أبدع في رسم تجلياتها عن هذا الوجود وفلسفته . وقد ذكرتني تجربته بتجربة الدكتور مصطفى محمود ورحلته مع المرض , الذي أيقض في نفسه جذوة المعرفة ؛ فتفرغ للكتابة مؤلفا 89 كتابا في مجالات مختلفة , علمية وفلسفية ودينية وأدبية . لذلك أرى لهذا الكتاب ميزة وهي أنّه ولد من رحم مخاض حقيقي كان بمثابة الحجر الذي ألقي في مياه راكدة , ولم يأت عن طريق الترف الفكري والتأملات العابرة .
في الختام أتمنى للصديق وائل غازي مواصلة العطاء والسير في خطى الكتابة ؛ لكي يرفد المعرفة بمؤلفاته القيمة والمتنوعة في المجالات المختلفة , سائلا الله أن يمن عليه بالصحة والعافية لمواصلة هذا المشوار المعرفي .



