ثقافية
“الخاتم الأعظم وقيامة البتول ” الكتابة في زمن الحرب

الروائي السوري زياد حمامي..
- كيف لي أن أدّعي بأن المأساة في وطني لم تحرّضتني على الكتابة؟! وهي التي مزّقت روحي، شتّتني، وجعلتني تعويذة غريبة لهذه الحرب؟! وإذا كانت هذه هي الحقيقة، فإن حروفي لم تستسلم للدم، لا، ولا إلى الدّمع، رغم أنها مؤلمة، وصارخة، ولم تتعثر حروفي في متاهات النزوح القسريّ والمأساة، ولم تستسلم روحي المتعَبة للذهول المريب، وكانت تكافح الصدمات اليومية بالمزيد من الإبداع، وتناضل بفنّ من أجل مستقبل أفضل، ولهذا، كانت الولادة من تحت أنفاس الخراب والاغتراب، وكانت الكتابة بحبر الدّم، وبدمع العاشق، وألم الفراق المرّ، وكان لا بدّ للكاتب، كما أرى، أن يكون صوت المقهورين في الأرض إبداعًا، وأن ينشر شهادته قبل الرحيل الأخير، إذ أن الكتابة في لحظة الحرب ليست مادّة استهلاكية أو إعلانية أو شهوة جنسية عابرة، إنها الولادة الجديدة، وَمَنْ قال إنّ الكاتب يموت بعد نشر نصّه؟! إنني أرى في ذلك ولادته من خاصرة النص الإبداعي، وبعد الولادة الجديدة لا بدّ أن يأتي الموت الإبداعي أكثر من مرّة!؟ فالكتابة ـ ها هناـ من دون إبداع مميّز رغوة عابرة، مجرّد تقليد أو سرقة أو شهوة ساذجة للشهرة، تودي بالنص إلى سلّة الإهمال والنسيان، ومن هنا ولدت روايتي “الخاتم الأعظم”، إذ كنتُ أبكي حين أصوّر مشاهدها وتغيب عن عيوني الحروف، فأمسح خديّ وجفنيّ، وأضعُ رأسي فوق طاولتي للحظات تكاد تقتلني، بل إنها كانت تهزّني، تقتحمني، تناديني أن أستمرّ في فعل الكتابة، وكانت تقول لي: إن دموع اليتامى والثكالى والعذارى والشهداء تناديك، وكنت أسمع أصواتهم، ومناجاتهم، وأحسّ بآلامهم وأحلامهم، ومن هنا، ربّما، كانت البداية في لحظة الحرب والنزوح لإصدار رّواية” قيامة البتول الأخيرة”، إذ كان أمامي ككاتب أمران لا ثالث لهما، الأوّل أن أكتب الحقيقة الغائبة التي أؤمن بها، والأمر الثاني أن أصمت مع الصامتين وأنتظر حتى المشهد الأخير من سيناريو الحرب، وليس سرًّا أنني أخترت الخيار الأوّل، ولم أنتظر أيّ مكافأة ما من أيّ طرف من أطراف الصراع في وطني سوريا، ولا من أحد ٱخر أبداً، ومن هنا، فإنّ الحرف في لحظة الحرب إمّا أن يولد حيًّا، خالدًا، أو يموت في الرحم العقيم قبل الولادة.



