«الوجه الآخر للضباب» الاقتلاع القسري من الجذور وعدم الاندماج في الوطن البديل

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد عبد علي حسن ان رواية «الوجه الآخر للضباب» للروائي كريم صبح تثمل الاقتلاع القسري من الجذور وعدم الاندماج في الوطن البديل…، مبينا ان الرواية تكشف إجرام الإرهابيين ضد المدنيين السوريين من العلويين والشيعة وحتى المسيحيين والملل الأخرى.
وقال حسن في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي):إن هذا الاقتلاع القسري بفعل انتهاء مهمة والدها ليعود إلى وطنه سوريا ، سيكون سبباً من عوامل عدم تمكنها من الاندماج في بيئة الوطن البديل، وبالتالي سيكون سبباً في تمسّكها لفواعل هويتها الأولى وسيكون سبباً ثالثاً في تصرّف الآخرين العنيف الذي اتخذ أشكالاً متعددة ازاءها بدءاً من زوجة الأب وإخوانها من أبيها وحتى الأشخاص الآخرين ، كما حصل حين تم تتويج روزالين (ملكة جمال) في المدرسة ، فجنّ جنون العائلة من الأب وزوجة الأب وأخوتها من أبيها ( جنّ جنون ابي وأخوتي ، فقدت زوجة أبي أعصابها ، يومها اشترك اخوتي الأوسط والأكبر في ضربي ، وبعد عودتي إلى البيت ، اخي الاكبر حافظ أسمعني عباراته العنصرية …؛ أنتِ مسيحية قبيحة، انت صفراء، انت بشعة، لن أسمح لك بالعودة إلى المدرسة ….النص ص 112) ، ويتبدى في النص السالف الخطاب الدوغماتي في المستويين الأُسري المحتكم إلى موجهات وثوابت المجتمع البطريركي / الذكوري والأبوي ، والديني الذي يحتكم إلى الراسخ في موقف الإسلام من الديانات الأخرى ، ففي المستوى الاول تماهت زوجة الأب مع الموقف الذكوري فاصطفّت مع موقف الأب والأبناء من ظهور «روزالين» كملكة جمال في المدرسة وانها ستكون عرضة لرؤية الآخرين بالشكل المنافي للأخلاق الإسلامية والأعراف الاجتماعية في المجتمع السوري/العربي.
واضاف: ويمكن عدّ موقف زوجة الأب هذا من قبيل الحقد الدفين لروزالين باعتبارها ابنة الزوجة الثانية ، وانها تتحين الفرص للإيقاع بهذه الابنة وإظهار امتعاضهم وحقدها عليها ، إلّا أن صوت المؤلف يظهر على نحو تقريري في النص الآتي (بل بلغت بهم قساوتهم ولا مرؤتهم _ على تشددهم الظاهري في الدين الإسلامي الذي يفترض به أنه دين سماحة وصلة رحم …النص ص126) على الرغم من أن تصرف عائلة زوج الام الآنف الذكر يكشف _ كما أشار النص الى التظاهر بالتشدد الديني ، وعلى مستوى دوغماتية الخلاف الطائفي فإن الرواية وعبر مذكرات (روزالين) تدخل الى منطقة الحرب الدائرة في سوريا لتكشف عن حجم الانتهاكات التي تقوم بها الجماعات الإرهابية المسلحة بحق المدنيين من العلويين والشيعة وحتى المسيحيين والملل الأخرى.
وتابع: ويعتمد النص على بعض الوقائع والفواكه التي حصلت في ريف اللاذقية وأساليب القتل والذبح الوحشي الذي طال الرجال والنساء الحوامل والشيوخ ، وتخلص (روزالين) في مذكراتها إلى نتيجة أو كشف للموقف السياسي عبر هذا النص ( يسوء بعضهم قولي أن العربي خائن ، مرتزق ويحلُّ دم أخيه ، رأيي الشخصي هذا ماكنت لأُثبته هنا لو لم يكن خلاصة مراقبة دقيقة وعن كثب لمجريات الحرب ، لست هنا اتحدث بصفتي روزالين نصف الروسية ونصف السورية ..أتحدث هنا بصفتي السورية مئة بالمئة …النص. ص 177).
وأستطرد :لقد حاول النص الروائي ( الوجه الآخر الضباب) طرح مقارنة أو كشفاً الثقافتين مختلفتين تماما ، الأولى هي مكونات الهوية الثقافية لبطلة الرواية التي كوّنتها السنوات العشر التي قضتها منذ ولادتها في روسيا والتي شكّلت الهوية الدينية مركزاً انبثقت عنه جميع مواقف البطلة وكذلك الشخصيات الأخرى ، فهي تصرّح ( انبثق وعيي الديني بولادتي وسط أسرة مسيحية ارثذوكسية تحترم الأديان ، ليست لديها عقدة تجاه دين منها …النص ص 167). والثقافة الثانية هي ثقافة مضادة تمثّلت في الإقصاء والدوغماتية إزاء الأديان والطوائف والسلطة الذكورية التي مثّلتها عائلة (ثروت) والد روزالين وزوجته وأولاده والجماعات الإسلامية السلفية.
وأوضح :وفي الوقت الذي تمكنت فيه الرواية من طرح وجهة نظرها كما أكدتها قراءتنا لدوغماتية الخلاف في مستوياتها الآنفة الذكر، وفق الإحاطة الدقيقة بحيثيات تكوين المجتمع الروسي والسوري ، فإن النص قد اعتمد آليات وتقنيات روائية أسهمت في توفير عامل التشويق لمتابعة الأحداث التي امتدت على قسمي الرواية التي اهتم قسمها الأول بتكوين خلفية الوضع الاجتماعي للشخصيات، عبر استخدام ضمير الغائب / هو الذي تكفّل بسرد تلك الخلفية المتضمنة ظروف لقاء (ثروت) بالروسية (كرستينا) ونشوء علاقة حب تكللت بالزواج الثاني لـ (ثروت) دون أن يذكر لها زواجه الاول مع وجود ثلاثة أبناء شكّلوا فيما بعد قلقاً هوياتياً لابنتها (روزالين) بعد اصطحابها من قبل أبيها إلى سوريا إثر وفاة أمِّها في روسيا.
وختم:في الرواية هناك رجوع بالزمن (الفلاش باك) لبيان تكوين اسرة روزالتين ، فالجد من قرية في مدينة بطرسبرج والجدة من المانيا قصتهما تمتزج مع قصة الاتحاد السوفيتي حتى الانهيار نتيجة اصلاحات غورباتشوف وفترة البيروسترويكا ، ويمتد هذا المحور- وهو الاجمل من وجهتي نظري من باقي المحاور في الرواية- يمتد بعناوين (اللواء، نخب اتحادنا السوفيتي، شغف، إعادة وصل ،روزالين ،طفولة ،شتات ،فقد ،صلاة، اكتشاف متأخر ،اندريه المشاكس) من ص19 الى ص104 ، بدت السردية متماسكة وتسير بالمتلقي بانسيابية تاريخية توحي بقدرة ومعرفة الروائي بالمجتمع السوفيتي الذي تحول الى المجتمع الروسي وتأثير هذا الانقلاب او التغيير على شخصيات الرواية في المحور الروسي، وسوف يتوقف المتلقي عند جمل وعبارات تدعو الى التأمل والتأويل ، فهذا الجزء هو الذي يمثل روح الرواية ، وهو جوهر الرواية حينما تلبس ثوب التاريخ.



