ثقافية

«ما لم ينقشه الوشم على الشفق» تناقضات الأمركة التي مسخت الإنسان

المراقب العراقي/ متابعة..

مفهوم الكتابة عند الشاعر علال الحجام، في تخلُّق دائم لمقولات الوجود على أساس الديمومة، بله شعرنةٌ للأشياء السائحة في الملكوت. هو مفهوم كيفي لا يتكيف مع العارض والزائل، إنه تخلُّقٌ متصيرٌ للكينونة، من داخل رؤية أو مشروع واضح، وعن وعي وقصد. في كل مرحلة من تجربة هذا الشاعر، تتبدى الكتابة بشكل مجاوز، أي يتجاوز سابقه. كتابة ناسفة ومقوّضة للمعطى الأنالوجي لكي تجترح أفقا شعريا مائزا يجحد بكل دوكسا جمالي أو أصولية معنوية، وهي، عطفا على ذلك، وكما تجلت في فهوماته، احتراقٌ أنطولوجي بالمساءلة الدؤوبة، وباستيلاد اللاممكن من الممكن، احتراق ينجم عنه ألمٌ بسبب الانفصال عن الأصل. أليست الكتابة، على حد تعبير محمد أسليم، فعلا عاديا «يطرأ في سياق عادي»، إنها انتهاك، ألم، وقوف في عتبة الوجود، في الأصل»(عتبة بين الكتابة والألم )

ليس من قبيل المزايدات الشوفينية إن قلت إن ثيمة الزنوجة ظلت شبه غائبة عن منظومتنا الشعرية العربية برمتها، فإذا استثنينا الشعر السوداني المعاصر، وتحديدا ما تحقق لدى الشاعر محمد الفيتوري، فإن تناول هذا الموضوع من طرف بعض الشعراء العرب، وهم يُعدُّون على رؤوس أصابع اليد الواحدة، كالشاعر الفلسطيني معين بسيسو، على سبيل المثال لا الحصر، أقول إن تناول هذا الموضوع ظل باهتا في مجمله، والحق إن حضور الزنجية في الشعر الإفريقي إبان الفترة الاستعمارية، كان أرقى وأقوى مما تحقق لدى شعرائنا. يكفي أن نذكر شعراء كبارا لكي نُثبّت الزعم، كالشاعر السنيغالي الراحل ليو بولد سيدار سنغور، والشاعر الفرنسي من أصول افريقية إيمي سيزار. ومن بين أهم القضايا التي احتفت بها الزنجية في الشعر، نلفي قضية الهوية أي رابطة الانتماء إلى افريقيا، وكذا الإشادة بأبعادها، على اعتبار أنها شكلت الرافد الأساس لكل الحضارات.

ويمكن اعتبار الشاعر علال الحجام، حسب علمنا، ومن خلال هذه الإضمامة تحديدا، الشاعر المغربي الوحيد الذي احتفى بوعي جمالي بهذه القضية، في منجزنا الشعري المغربي المعاصر على الأقل. لقد أفرد الشاعر أكثر من قصيدة لهذا الموضوع الجديد – القديم، الشيء الذي جعل حضوره في الديوان سيّارا إذ لا يمكن البتة للعين الفاحصة أن تُخطئه. فلا غرو في أن شاعرنا في أثناء مُقامه في الولايات المتحدة الأمريكية، أحسّ باغتراب ثقافي فظيع، ما جعله ينخرط بتلقائية أصيلة في النضال الثقافي الرمزي للأفارقة ضدا على كل تمييز عنصري، وتناقضات ومفارقات العولمة أو بالأحرى الأمركة. فشاعرنا القادم من عالم افريقي مفعم بالعراقة والأصالة، بعيدا عن كل فردانية مسخت الإنسان وجعلته قاب آلة أو أدنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى