ثقافية

«الحب في زمن الكوليرا» بين نقمة الإنسان ونعمة الوباء

المراقب العراقي/ متابعة…

ليست الكوليرا وحدها ما يقتل الإنسان، فما يقتل الإنسان أكثر مما يقتله هو مشاعره التي يُطلق لها العنان، في مجتمعات محكومة بصراع أبدي بين التقاليد والطبقات، صراع يتخذ صورا مختلفة ويظهر بجلاء في علاقات الحب. يموت الناس عادة بسبب مشاعرهم، إذ ثمة داء فتاك منتشر بينهم، يقودهم في أغلب الحالات إلى الكآبة، فيموتون بفعل الانتظار والنسيان، فقد يموت شاب في العشرينيات بسبب إنسان آخر ويعود إلى الحياة في عمر السبعينيات بفعل الانتظار والكوليرا.

كتب الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927 -2014) رواية ” الحب في زمن الكوليرا” سنة 1985، وحكى فيها خبر شاب فقير اسمه فلورينتنو أرثيا وقع في حب فتاة خارج طبقته اسمها فيرمينا داثا. تبدأ الرواية بذكر الموت وتنتهي إلى مسار الأبدية، وبين ذكر الموت وذكر مسار الأبدية، تقبع تفاصيل عدة مرتبطة بالحب والحرب والوباء والتقاليد، ومسار تقدم الإنسان في العمر، وفي التقنية، هذا التقدم الذي لم يخلص الإنسان من انتهازيته ورغبته الأبدية في تقرير مصير الآخر باسم التقاليد والشرف والرحم وقرابة الدم، فبطل الرواية فلورينتو أريثا الذي كان يشتغل في مكتب للتلغراف يلتقي طيف فيرمينا داثا في منزلها، وهو في مهمة إيصال طرد بريدي، فيقع في حبّها ويقرر منذ ذلك اليوم أن يجد آلية للتواصل معها، كانت الرسائل طريقته الوحيدة للوصول إلى فتاة من هذه الطبقة، فتبادل معها رسائل الحب وطلب الزواج بعدها إلى أن اكتشف والدها الأمر، فأبعدها عن المدينة ومن ثمة عن حبيبها فلورينتو.

لم يستسلم فلورينتو لتقاليد المجتمع، فقد ابتكر ألف حيلة وحيلة للقاء فيرمينيا، لكنّ كل محاولاته ذهبت في مهب الريح، بعد أن تزوجت حبيبته بالطبيب خوفينال أوربينو. ومع هذا ظل الشاب المعدم أسير هواجسه، فقرر أن ينتظر وفاة الطبيب بعد مدة ومن ثمة استعادة حبيبته، وهو الأمر الذي اقتضى منه أن ينتظر طيلة نصف قرن من الزمن، فعاد إلى حبيبته ليخبرها ليلة عزاء الدكتور خوفينال أوربينو بوفائه وانتظاره تلك اللحظة، منذ ما يزيد عن خمسة عقود، يقول فلورينتو: ”لقد انتظرت هذه الفرصة منذ ما يزيد عن خمسين سنة، لأجدد لك قسم حبـّي”، وهو الأمر الذي أثار مشاعرها، كأي امرأة أرملة فقدت زوجها للتو، فطردته من بيتها.

أيقظ اللقاء مواجع فلورينتو، التي حاول أن يتخلص منها طيلة نصف قرن بواسطة الحلم والانتظار، فالحبّ جرح قليل الالتئام، لذلك سرعان ما يعاود النزيف كأنّه جرح الأمس، رغم مرور اثنين وخمسين عاما وتسعة أشهر وأربعة أيام منذ ظهر هذا الداء في حياة فلورينتو المعدم. عاود ابن الشارع الرجوع، فرجلٌ انتظر طيلة هذه السنوات لا يمكنه الاستسلام بهذه السهولة، فكتب رسائل عدّة استسلمت لها فيرمينيا أخيرا، فزارها في بيتها ليقابل رفضا آخر لهذه العلاقة من طرف ابنة فيرمينيا، لكنّ الزمن أكسب الحبيبة قوة، فوقفت في وجه ابنتها وطردتها من البيت لتستمر علاقتها بحبيبها، الذي ستسافر معه في رحلة بحرية ستكتشف خلالها أنّها لا تزال تحمل لفلورينتو الحب ذاته، فكانت أفضل لحظات عمرهما على متن سفينة تجوب البحر، بدون أن ترسو لأنّ الكوليرا انتشرت في المنطقة، فكان الوباء نعمة أمام نقمة الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى