ثقافية

في نص “جنازة الضوء” رحيل الشاعر المعادل الموضوعي لموت الوطن

المراقب العراقي / القسم الثقافي

يرى الناقد رحيم يوسف ان الشاعرة خيرة بلقصير تؤكد من خلال نضها “جنازة الضوء” ان موت الشاعر يعني هو المعادل الموضوعي لموت الوطن .

وقال يوسف في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي) ان الشاعرة تقول :((علينا أن نصمت قليلا..

لتمرّ جنازة الضوء..

وليتململ الكون في ارتجاف مهيب..

الساكنات قلبه ..

فراشات الربيع..

والضحكات المنعشات آلة النبض..

دقة ..

دقتان..

ثم لا شيء..

سراب وطن…

الفراشات تحلق ..في الابتهاج..

تاركة “قفص الطبق الأخير البرتقالي”..

علينا أن نصمت فقط..

ونترك الحشرجات تفعل بحناجرنا ما تشاء

فلكل شاعر موكبه

غدا تملء السماء نجوما

الكفن الذي خرج من الصباح..

سلّم على وهران وأغمض جفنه على موعد برنين

يكتبه “بختي بن عودة”

مقابل تلك البرتقالة التي قال عنها عياش حياوي

“اريد برتقالة اذا جاء الصباح لبست قشورها.”..

وها قد جاء الصباح ولبست بياضك الأبدي..

ورحلت ..

علينا ان نصمت طويلا ونشيع زهرة الشعر..

فموت الشاعر هو حتما ميلاد فراشة))

وبعد القراءة افترض بان القراءة الاولى لنص شعري ما عادة ما تكون قراءة عابرة مستعجلة نوعا ما ، حتى اكتشاف القاريء المتلقي لمحطات الجمال والدهشة في ذلك النص ، ليعود بالضرورة لقرائته لاكثر من مرة بغية الاكتشاف .

واضاف: في نص الشاعرة الجزائرية خيرة بلقصير والذي لم تضع له عنوانا ما لتترك كل شيء للمتلقي في كشف دلالات وخفايا النص المنشور في موقع الكتاب ، ومع انني اقرا لها للمرة الاولى ولن تكون الاخيرة حتما ، اسجل هنا قراءتي المتواضعة للنص .

وتابع :من الثابت ان الموت هو الحقيقة الوحيدة العظمى وغير القابلة للدحض والتاويل ، تلك الحقيقة التي تحدث هنا افتراضيا وليست بواقع عملي ، من هنا يكون باستطاعة المتامل الشاهد على هذا الموت القدرة على التخلص من فداحة الموت بوصفه فقدانا ابديا يتيح للمتامل استعادة ماضوية لحظات بعينها تطرق ذاكرته عبر التسليم الحتمي لثبات حقيقة الموت ، دون التدخل في حتميته او محاولة تغيير مسلماته كما اسلفت ، لكن وفي اللحظة الراهنة ، ولان الموت هو موت افتراضي فهو قابل للتأمل والتاويل…الخ .

ومن الواضح ان الموت هنا افتراضيا في ذهنية الشاعرة

لان الموت للاشياء والموجودات في هذا الكون كحقيقة ثابتة قابله موت الوطن ، ولان الوطن ثابت كما هو معلوم ثبات الارض وبقائها الازلي ، فهو لن يموت الا بفناء الكون باعتبار الوطن جزء منه ، وهنا لابد من القول ان الشاعرة التي ذهبت باتجاه الموت ، باحت بذلك عبر تعرضها لضغوط هائلة لايمكنها مجابهتها الا بذلك الافتراض / موت الوطن / في صراع بين الداخل والخارج وهذا الصراع المحسوم للخارج كنتيجة نهائية عبر ما اباحت به في النص . ولكن من نظرة اخرى اكثر واقعية عبر تامل نص الشاعرة يصبح موت الوطن اقرب للتصديق افتراضيا ، وهو ما عبرت عنه عبر موت الشاعر / موت الوطن فموت الشاعر يمثل موت الروح الخالقة للجمال في فضاءات الحرية وهو غياب ابدي ومستديم للضوء والفراشات ، ومهما حاولت الشاعرة الالتفاف على اللغة من خلال اجواء اقل مأساوية لكنها بالنتيجة النهائية ستقع في فخ الافصاح ، هذه المجاورة اللغوية التي وضعتها تعمدا في آخرة النص ،مما جعلني اتساءل متى كان موت الشاعر يمثل ميلادا للفراشات ؟ وهذا ما عنيته بالمداورة اللغوية التي عمدت اليها الشاعرة للتعبير عن الفداحة التي أحدثها الفعل القدري الضاغط باعتباره خارجا ازاء الداخل الملغوم بالعاطفة وهنا يصبح اللجوء للفراشة كفعل تسكيني للانا التي تعاني من هول الفجيعة حتما .

واشار الى ان دعوة الشاعرة المتكررة للصمت باعتباره مانحا للقدرة او مساعدا لها على التامل للشاعر المراقب للحدث، مكنها وبطريقة فذة من سحبه في المنطقة التي تريدها عبر تحطيم مقاوماته ان كان ثمة مقاومات لديه لتضعه بمواجهة الحدث الذي زلزل كيانها انسانيا لتعبر عنه ، وذلك عبر اخذه تدريجيا باتجاه منطقة الصمت / التامل ، هذا التدريج المحسوب بدقة شديدة كما واضح في النص ف ،

( علينا أن نصمت قليلا.. )

( علينا أن نصمت

فقط.. )

واستطرد:وصولا الى اللحظة التي دربت بها متلقيها صوب نهاية نصها الذي يمثل الصدمة للمتلقي ، والتي لم تكن سوى صدمة اناها الشاعرة وهي تتامل درجة تاثير الصدمة بالمتلقي ، وهي تتقمص دور الحكواتي لذلك ،

(علينا ان نصمت طويلا ونشيع زهرة الشعر..

فموت الشاعر هو حتما ميلاد فراشة..)

وباعتباري احببت النص وتماهيت معه اصبح واضحا ان من حقي الافتراض والتاويل للنص المطروح ولاعد لسؤالي الذي طرحته متشككا بنوايا الشاعرة وهو متى كان موت الشاعر ميلادا للفراشات ؟ واجيب بان الشاعرة تعمدت وبقصدية تحرير الشاعر من عدمية الموت باتجاه الحياة باعتباره صانعا لها ومعبرا عن قيمها الجمالية ، ولربما تمثلت موتها لحظة الكتابة بالتماهي مع موت الشاعر ، وهنا استطاعت بذكاء وفطنة من التعبير عن ذلك ، عبر اطلاق روح الشاعر باتجاه الفضاء الواسع بعيدا عن شرنقة الحياة الضاغطة التي تخنق حريته ، لتحوله افتراضيا الى فراشة ، والتي قد تكون روحها الشاعرة المنطلقة في فضاء حريتها ، وهنا ساعود مجددا للتاكيد على الموت الافتراضي للشاعر / لان الاثنان عصيان على الموت .

ولفت الى ان الشاعرة تمكنت من الامساك بالمتلقي للتماهي مع عالم النص والذي هو عالميا بشكل مؤكد عبر استدراجه بالجمل التي مثلت دعوتها للصمت ، فانها استطاعت وبقدرة مذهلة ايضا على التهيئة لحتمية الموت في النص ، من خلال تراتبية تشتمل على الكثير من التلغيز واعني موت الضوء/ الوطن/ الشاعر ،

( علينا أن نصمت قليلا..

لتمرّ جنازة الضوء..)

تثير الشاعرة كما كبيرا من الاسئلة المفترضة عبر التامل ، تامل الفضاء المعتم الممتد الى ما لا نهاية كنتيجة حتمية للموت الرمزي للضوء ، هذا التامل الذي سيوائم حتما بين عتمتين لتتشكل عتمة استطيع ان اطلق عليها عتمة الفضاء/الروح وهي العتمة التي تبددها روح الشاعر عبر فراشات الربيع التي تتحررها من قلبه .

(الساكنات قلبه ..

فراشات الربيع..)

وختم :لم يكن استدعاء الشاعرة ل/ (بختي بن عودة) و (عياش يحياوي ) الذين غادرا عالمنا والى الابد والاول اغتيل في وطنه الجزائر في العام ١٩٩٥ ومثل اغتياله اغتيالا لمشروعه التنويري والثاني الذي توفي في الامارات العربية في هذا العام / الا تاكيدا على ماذهبنا اليه من فداحة موت الشاعر والمؤلم هو موته قتيلا كما في حالة موت بختي ، اخيرا اود القول بان هذا النص القصير المكتوب بلغة هادئة سلسلة مع انها مليئة بالمطبات المتعمدة لم يكن سوى مرثية لموت الشاعر / الوطن .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى