للمفجر المزعوم للتظاهرات في بغداد

أحمد عبد الحسين
حديث مزعج عن (المدنيين) والحشد الشعبي ونهاية العملية السياسية..
ـ أخي أنا أريد حكماً مدنياً..
ـ صار أغاتي .. يعجبك وياه طماطة شوي ؟.
رغبة المثقف في حكم مدني بالعراق رغبة العاقر في كلمة ماما، موقنة من يأسها منها، لكنها راغبة فيها إلى حد الوهم، حدّ انها تستيقظ في ليالي الشتاء على صوت “ماما” ولا تعرف مصدره.
إسلاميو العراق انتصروا في استمالة الأميركان، انتصروا في استمالة إيران، انتصروا في الانتخابات، انتصروا في الانتخابات الثانية، انتصروا في كتابة الدستور، انتصروا في الانتخابات الثالثة، انتصروا في مليونياتهم وتظاهراتهم، انتصروا في قمع الحريات، انتصروا في تأجيج الطائفية، انتصروا في تكديس المليارات في حساباتهم المصرفية، انتصروا في حلب بقرة الدولة حتى لم يبق في ضرعها قطرة، انتصروا في كل شيء لأنهم أقوياء وسبب قوتهم: المال والسلاح والسلطة.
غالبية الشعب معهم لا لسبب إلا لسبب تافه في الحقيقة، هو الأمثولة مجهولة المصدر التي تقول ان كل ما يمت للإسلام بصلة ولو بالاسم يدعو للاطمئنان أكثر مما هو غير إسلامي. ما ان يقال (إسلام) حتى تحضر الطهرانية والاطمئنان على ما بعد الموت.
أدبيات الإسلاميين العراقيين مضحكة، إنشاء ركيك مستوحى من سيد قطب غالباً ومن أدبيات الاخوان المسلمين بتصرف مخزٍ. وجلّ قادتهم جهلة في السياسة والاقتصاد، وكانت سنوات حكمهم كاشفة عن ضمائر سود، عن لصوصية رهيبة تنتظر أن تحل من عقالها لتأكل مال الله وعباده. يتساوى في ذلك حزب الدعوة بالمجلس الأعلى بقيادات التيار الصدري، بالأحزاب الصغيرة المنتشرة كالدمامل على جسد العراق هنا وهناك. لكن الناس أرادوهم، مرة واثنتين وثلاثاً، اختاروهم وسيختارونهم، ومن المحال أن نتوقع في السنوات العشر المقبلة أن تتغير قناعات الناس هذه.خيارات الناس محترمة، إرادة الشعب مقدسة. في جوّ سياسي مجتمعي كهذا، كيف يجرؤ أحد ما على أن يحلم بدولة مدنية إلا أن يكون خارجاً تواً من مشفى للأمراض العقلية ؟ مع ذلك فإن جملة (نريد دولة مدنية) يرددها مثقفون بتلقائية، يطلبون الدولة المدنية كأنهم يطلبون سيجارة من صديقهم.
ما يشجع (المدني) على وهمه ليس فقط رغبته المؤلمة (رغبة العاقر)، لكنْ عدم وضوح نظام الحكم لدينا، وتناوب المدنية والدينية والعشائرية والطائفية والفوضوية عليه تناوباً حراً وبلا ضابط. نظامنا مسخ وهش يغري حتى المدنيين القلائل الضعاف بإقامة دولتهم! تصوروا.
كتبت قبل شهرين ان العملية السياسية الحالية انقضت، قضى إسلاميو الحكم على أنفسهم، بالفساد والمحسوبيات، وإهمال الناس وتضييع الموارد الفلكية على فروجهم وكروشهم، ولا مبالاتهم. هكذا تنتهي امبراطوريات عظيمة بسبب المعدة والإحليل، هكذا انتهت روما في أوج عزها، فكيف بدولة فاشلة كالعراق ؟.
انتهت العملية السياسية عملياً منذ المالكي، منذ أن جمع حوله اللصوص الذين يؤمنون له بقاءه على كرسيه الذي اقتلع منه اقتلاعاً فيما بعد.
نشأ جيل إسلامي جديد الآن، لا علاقة له بالأدبيات المضحكة للدعوة والمجلس، جيل مسلح، دفع دماً ولا يزال، جيل الحشد الشعبي، أفراده أشد بأساً وأكثر تزمتاً وانغلاقاً. ولأنهم فتيان بأغلبهم فهم لديهم ما لدى الشباب من احتقار للحكمة التي يلقيها عليهم العجائز. قوتهم في سلاحهم، قوتهم عضلية محض. يشعرون ان حصتهم في العراق يجب أن تكون كبيرة لأنهم حموه، وحصتهم في الحكم أكبر لأنهم سفكوا دماً من أجله، (بالمناسبة هذا هاجس حزب الدعوة الذي يرى أحقيته في الحكم بسبب شهدائه، أيام كان ينتج شهداء، اليوم أصبح ينتج لصوصاً عالميين كعبد الفلاح السوداني).
المدنيون مساكين. أنت تحدث رفيقك المدنيّ وتسأله: هل أنت مع انتخابات مبكرة ؟ فيقول: لا طبعاً إذا حدثت الان سيفوز بها العصائب وبدر والكتائب.
تسأله: هل أنت مع خروجهم في تظاهرة معنا ؟ فيجيب: لا طبعاً لأنهم سيحتلون الساحة احتلالاً بقوة كلمتهم النافذة على الدولة كلها.
هل أنت مع تغيير النظام ؟.
لا لأن الحشد سيتسلم الحكم
هل أنت مع النظام الرئاسي ؟.
لا لأن هذه دعوة الشيخ الخزعلي.
هل أنت مع ..
لا لأن الحشد ..
هل المدنيون وحدهم الخائفون من الحشد ؟ لا فالطبقة السياسية الإسلامية الحاكمة في الخضراء خائفة من الحشد أيضاً، لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يقلب عاليها سافلها، السياسيون كلهم يريدون الحشد لمقاتلة داعش لكنهم يريدونه لهذا وحسب. أما المدنيون فأمرهم عجب. فائق الشيخ علي قال أمس : الحشد أناس مقاتلون لا يصلحون للبناء والإعمار!! انقلبت على قفاي من الضحك، على اعتبار ان فائق هو المعمار وان السياسيين الذين معه عمروا العراق حتى توارت دبي خجلاً.
هناك إشارات واضحة على ان الجيل الجديد من الاسلاميين الثوريين الأقوياء الذين لا يأبهون لأحد ولا يقف أحد في وجوههم، المدعومين من إيران، يريدون الآن الحكم، يريدون أن يقلبوا الطاولة على رؤوس الطبقة السياسية كلها.
لا أحد سيذرف الدمع من أجل كروش إسلاميي الدعوة والمجلس وأغنياء التيار الصدري اذا انتهوا، شخصياً انتظر بشغف يوم سقوط الطبقة السياسية الحالية بإسلامييها وعلمانييها القلائل، بصراحة أريد رؤية الذل في عيونهم كما أكرمتني المقادير برؤية الذل في وجه صدام. أعرف انها رغبة عنيفة وغير إنسانية، لكنني ألتمس منكم العذر فقد عاهدت نفسي أن أكون صريحاً للغاية في هذه الكتابة.
وأجزم ان أغلب العراقيين اليوم يتوقون لرؤية معذبيهم وهم يفرون أو يساقون الى السجن، بعض من العراقيين العنيفين ـ وهم كثرة ـ يريدون السحل الذي حكى لهم آباؤهم قصصاً مسلية عنه.ما الذي فعل المصريون في ميدان التحرير ؟ كانوا مع الإسلاميين يداً بيد حتى إسقاط مبارك. ثم ما الذي فعل المصريون في ميدان التحرير لإسقاط مرسي ؟ انقلاب عسكري استئصالي، لأن الإسلاميين لا يذهبون إلا بهذه الطريقة العنفية.
نحن ـ المدنيين ـ لا نريد أن نشارك إسلاميينا التظاهرات، ولا قدرة لنا على اقتلاعهم إذ لا سيسي لدينا.
ما ذا نريد ؟
ـ نريد دولة مدنية.
ـ بعيني .. أسويلكم وياها طماطة شوي !.




