إستذكارات رمضائية !!
كعادتي دائما، فأنا أكتب عن أحداث باتت، بعضها سحيقاً بالتاريخ، حتى آخذ فسحتي من التأمل والتفكير، فأكتب مثلا عن حرب صِفين التي جعلتنا صَفين الى اليوم، والى ظهور الحجة القائم عليه السلام، أو الكتابة عن الدولة العراقية الحديثة، من عام 1920 لغاية 2003، أي ثلاثة وثمانين عاما من عمر العراقيين، نصفها تماما تحت حكم الدولة البدوية، من 1963 لغاية 2003، وربما الى اليوم بوجه من الوجوه! اليوم سأكتب عن شهر رمضان، الذي غادرنا أو غارناه للتو، يدفعني الى ذلك؛ أن موجة الحر الرهيبة التي نعيشها، ترتبط إرتباطا وثيقا بهذا الشهر الفضيل، الذي أشتق أسمه من الرمضاء أي الحر، ولموافقة موجة الحر مع شهر مضان في سنتنا هذه! كنا بعيد الإفطار في هذا الرمضان، نتناقش قليلا في الدين وكثيرا في السياسة، ولا نتذكر أن هذا الشهر الفضيل هو شهره تعالى، وكنا مجبرين على هذا المسار بالتفكير، لأن الساسة لا يرعوون في كل رمضان وغير رمضان، ولأنهم لا يرعوون أصلا، فيتفاقم الجدل العقيم، بين القوى السياسية المختلفة على كل شيء، مثلا هم مختلفون أبدا، حول ما اذا كان الافطار أولاً أم السحور أولاً!. وليس من المتوقع أن يتم التوصل في القريب العاجل، الى إتفاق حول رؤية “وطنية” موحدة في هذا الصدد!
سياسي متدين؛ أقترح أن يكون العيد أولا، ومن بعد ذلك الصيام، وعد ذلك “مشروعا وطنيا” تعمل عليه قائمته بقوة! فيما رفض نائب عن تحالف القوى ذلك قائلا: إن تقديم العيد على الصيام، يجر الى منزلقات تضر بالعملية السياسية!..ليبرالي عراقي يقول: نحن وبحكم ليبراليتنا الأصيلة، نرفض رفضا قاطعا، تناول مايسمى بـ “قمر الدين”، لا في رمضان ولا في غيره..وعلى التيارات الإسلامية؛ أن تكف عن خلط الدين بالقمر! وعلى الصعيد ذاته، شهدت صفوف الصائمين من “الفايخين”، إنقسامات حادة على أولويات مائدة الإفطار، فريق يرفع شعار العصائر أولاً.. وفريق آخر يرفع شعار نقوع تمر الهند أولاً. فيما الفقراء يفضلون الماءالدافىء، ولا شيء غيره عملا بالسنة المطهرة..
قرأت أيضا لأديب عراقي دعوته، الى عدّ رمضان هذا العام، بداية لتقويم جديد في العراق، وأن يتم شطب كل الرمضانات السابقة، لأنها لم تكن مرمضمة رمضا، يستحق الترميض برمضه! ولتبيان قوة صدام ونظامه، وتقديمه “الخدمات” للمواطنين و”رعايته” الكريمة للعراقيين، قال واحد من بقايا نظام صدام: لو كان صدام حيا هذا العام، لقرر تأجيل شهر رمضان “المبارك” لأجل غير مسمى، بسبب إرتفاع درجة الحرارة، مع الاحتفاظ بشرعية الصوم، خدمة لشعب العراق العظيم، ورأفة بحال الرفاق الصائمين، الذين كانوا سيخرجون بتظاهرة يهتفون بها: “بالروح بالدم نفيدك يا أبو رمضاء”! ..من جهة أخرى رفض شيوعي عراقي، تسمية شعيرة الصيام بأسمها المتداول، وقال إنها بالحقيقة عملية إخضاع النفس، لسلطة وهمية تجاوزت منذ 1432 عاماً على حقوق الإنسان!! على صعيد الموائد الرمضانية؛ فإن الإفطار في مطاعم شارع الربيعي ببغداد، يكلف 40 الف دينار “للنفر”، مع العلم أن أغلب الذين يجلسون على موائد الإفطار، هم من المفطرين أصلا!..كلام قبل السلام: سأل سياسي زميله في صباح رمضاني، عن حلية إستعمال معجون الأسنان أثناء يوم الصوم، وأحتدم الجدل بينهما، فحسمته نائبة كانت تحمل بيدها ثلاث علب “بيبسي”، قدمت إثنتين منها لزميليها، فشرباهما فيما شربت هي الثالة، وأنتهى النقاش!
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



