ثقافية

أَوس عبد علي حسن

سيرفيدية

عِندَ صِيَاحِ الدِّيكِ صَبَاحًا يتقلَّصُ وَجهُهُ ، ويُطَأْطِئُ إصبَعَهُ المَثقُوبُ ، بَعدَ أَنْ بُتِرَتْ مُقَدِّمَتُهُ بِدَقَائِقِ اللَّيْلِ الحَالكِ، ويَتَشَرنَقُ مَعَ أَصابِعِ يَدِهِ الثَّلاثَةِ ، يَلوكُهُ الأَلَمُ، وهوَ يُسَربِلُ ظِلَّهُ مُتَّجِهًا إِلى نَافِذَةِ غُرفَتهِ الكائِدَةِ، يَتَمَركَزُ في وَسَطِهَا، وَالشَّمسُ تَفقُسُ للتَّوِّ ، وتَلفَعُ ضَوءَ الظُّلْمَةِ؛ مِمَّا يُظْهِرُ الشَّارِعَ أَمَامَهُ شَاحِبًا ، وَحدَهَا الكلابُ تَعوي لَاهِثَةً ، تَتَرَقَّبُ مُرُورَ مَنْ تَعضُّ سَاقَهُ ، أو تَأخُذُ كِيسًا مِن قُمَامَةِ بَيتِهِ، صَرَخَ عليها:

أُترُكي قُمَامَةَ البَيتِ!

وَجهُهُ مُتَكَدِّرٌ بِالنُّعَاسِ، يَلُوحُ بِيَدِهِ:

ابتَعِدي: أَلا تَسْمَعِيني؟ ابتَعدي عَن وَجهي

وَظَلَّ يَصرخُ دُونَ جَدوى ، حَتَّى صَارَ صَوتُهُ خَشِنًا مُتَقَطِّعًا ، ظَنَّتُ الكِلابُ أَنَّهُ يُخَاطِبُهَا، تَجَمَّعَتْ تَحتَ نَافِذَتِهِ وَهِيَ تَعوي ، وَهوَ يَصرَخُ ، يَتَنَاوَبُونَ على الصُّرَاخِ حَتَّى صَمَتَ الجَمِيعُ؛ بَعدَهَا بِيَومٍ سَكَنَتِ الكِلابُ بَيتًا جَديدًا مَعَ إِصبِعِ يَدِهِ الرَّابِعِ.

تَشَرنُقٌ

يَقتَاتُ صُرَاخُهُ المُتَرَبِّعُ على فِرَاشِهِ المُتَّسِخِ المَلِيءِ بِأَنَابِيبِ أَطفَالٍ تَلَاشَوا في لُجَّةِ الانتظَارِ؛ مَاسِكًا أَنفَاسَهُ كَجَرَادٍ جَائِعٍ يُحَاوِلُ الزَّحْفَ مُنْسَّلا بِكَرْشِهِ المُنْتَفِخِ إلى غُرفَةِ أَبنَائِهِ المُكتَضَّةِ بِسَيَلَانِ الشَّمْسِ، وَهُمْ يَذرونَ بِصُرَاخِهِم المُلتَوي رَائِحَةَ طُفُولَتِهِم على جُيُوبِهِ لِتَزدَادَ حُمُوضَةً ، يَتَّكِئُ على حَافَّةِ الخَشَبِ (الطاولة) ، يُحَاوِلُ النُّهُوضَ مُنتَعِلًا الخَوفَ ، يَصِيخُ السَّمْعَ مَرَّةً أُخرَى لَعَلَّهُ يَسمَع صَوتَهم وَهُوَ يُكَرِّرُ، ألعَابهم، ملابسهم، كُرَاتهم….. أَخَذَ صَوتُهُ يَدخُلُ بَرزَخًا مَعقُوفًا وَحُضنَهُ بِالتَّمَاهي، جَالِسًا في زَاويَةٍ الغُرفَةِ حتَّى أَصَابَتْ رَأسَهُ لُعبَةٌ خشبيةٌ لِتَسقُطَ صُورَتُهُ المُعلَّقَةُ على الحَائِطِ مُصَاحِبَةً قَهْقَة أطفالٍ يَلعَبُونَ.

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى