“عذابخانة” رواية تكشف تأريخ إجرام ودموية أجهزة القمع البعثية في السبعينيات والثمانينيات

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد رواية “عذابخانة” للروائي موفق العيثان، تنتمي الى سرديات أدب السجون والمعتقلات حيث تروي تأريخ أجرام ودموية أجهزة القمع البعثية في السبعينيات والثمانينيات.
وقال جويعد في دراسة نقدية خص بها (المراقب العراقي) : ان رواية (عذابخانة) للروائي موفق العيثان من اصدارات دار سطور – بغداد – شارع المتنبي لعام 2020، ، تنتمي الى سرديات أدب السجون والمعتقلات،وهي في ذات الوقت زمانية ومكانية، لطغيان هاتين الادواتين على بقية الأدوات والعناصر المستخدمة في فن صناعة الرواية، مع اختياره لزاوية نظر موفقة في عملية سرد الاحداث،إذ أننا سنكتشف أن السارد بطل هذه النص والذي أوكلت إليه مهمة ادارة دفة وتحريك المسيرة السردية، وكأنه يقف على أطلال أحداث حفرت في وجدانه وذاكرته وروحه وعقله شرخ كبير ومؤلم لايمكن للزمن أن يمحوه، ولا للذاكرة نسيانه.
واضاف : ان المؤلف كان يتحرك ضمن الاحداث،بحرية تامة وبلغة سردية تنسجم والسياق الفني لهذا النص،إذ أن سعيد ينقلنا حالة إعتقاله في نهاية السوق، الى الماضي ليتحدث عن فضاء المكان والزمان في كربلاء، ثم يعود ليكمل عملية الاعتقال.
وتابع :وهكذا يتضح لنا أن الزمان هو في فترة الحكم الاستبدادي المتسلط، وازلامه البعثية،أي من نهاية السبعينيات ثم الثمانينيات من القرن الماضي، والمكان الذي اولاه الروائي اهتماما خاصاً هو محافظة كربلاء، حيث سنطوف معه في امكانها المقدسة مرقدي الإمامين الحسين وأخية العباس، والعادات والتقالية والشخصيات البارزة ، وكذلك سنعيش في أجواء خاصة مفعمة بالايمان في طقوس شهر محرم وأيام عاشوراء ، وهكذا حقق الروائي موازنة متفاعلة متصلة بين الماضي والحاضر وجعلها كتلة واحدة وجزء مترابط لمسيرة الاحداث، وتعريفها، وحبكتها، وتأزمها. وانفراجها:( يبدأ الموسم في أول محرم، ولعشرة أيام متصلة، إحياء للذكرى ، في كل مساء تبدأ مواكب العزاء بالتجمع في حاراتها، لتنتهي بالحرم الحسيني،تُنشد مع اللطميات مديحاً ورثاء عن الحسين عليه السلام واصحابه، جرت العادة أن تقسم الأيام حسب الأشخاص الرئيسين في المعركة، أو الأكثر تراجيديا، مثلاً يوم العباس عليه السلام، وآخر للرضيع عبد الله عليه السلام ذو الاشهر من عمره، الذي ذبحوه وهو بيد أبيه الحسين عليه السلام بالسهم، أو الشاب القاسم بن الحسن بن علي عليهم السلام جميعا وهكذا.) ص 33
واستطرد :وهكذا نكون تواقين لمتابعة عملية الاعتقال لبطل هذا النص، والى أين؟. وماذا يريدون منه؟. اسئلة كثيرة تدور في ذهن المتلقي وهو ينتقل من التداعيات والذكريات وحياة الماضي وحياة وطقوس هذه المدينة المقدسة، وحياة سعيد فيها.
واوضح : ان لطقوس شهر محرم، وأيام عاشوراء في كربلاء المقدسة، مواقع كثيرة ومتعددة داخل الرواية، تبدأ بوشاح السواد الذي يغطي سماء وجدران وابنية المدينة ومراقد الائمة ،ثم اشعال نيران الشعلة المقدسة تحت قدور الطبخ، التي تقوم بها البيوت والمواكب الحسينية على كل الطرقات والشوارع المنتشرة والمؤدية الى المدينة، اضافة لمواكب اللطم والمنابر والخطب،فتصير المدينة مائدة كبيرة فيها من كل اصناف الطعام والشراب، وهكذا نطوف في الاجواء الحسينية كما يصفها لنا الروائي ضمن أحداث هذا النص، لنكون في عملية تناوبية سردية بين هسيس الذكريات التي تتوافد اليه داخل المعتقل، وبين جور وظلم وقسوة وعذاب المعتقل.
ومضى الى القول :ونعود الى دهاليز الذكريات وحياته في الماضي وهو يستعرض لنا بتفاصيل ممتعة عن حياته وشغله في اماكن مختلفة ومنها كتابة الطلاسم والادعية والمعوذات:( أرسم دوائر وأحيطها بحروف ورموز (طلاسم) وسور المعوذات. تتلقفها السيدات بعد صلاة الظهر، آخر جمعة رمضانية من كل عام، ادعية يرين بها جلب الرزق عند وضعها بالجوزدان(محفظتهن) . كلهن أو اغلبهن لا يقرأن ولا يكتبن، الأمية رزق ” دعاء يجلب الرزق، بلا شك ، وهو مجرب ، وأنا شاهد)ص 76 وتجدر الأشارة هنا الى أن الروائي وظف بعض من مفردات اللهجة العامية العراقية الدارجة، ووضع تفسير لها في ذات السياق السردي، وكنت في بداية متابعتي للنص ظننتنها ستؤثر على إيقاع وانسيابية النص، الا أن الروائي حافظ على ذلك بعدم العودة ثانية لتكرار تفسير تلك المفردات.
واكمل :ثم ننطلق لنتابع مالا يحدث في المعتقل وما آلت اليه حياة سعيد داخله، ليظهر في داخل النص شخصية طارش، وهو أحد رجال الامن المختصين بعملية التعذيب، واستخراج الاعترافات منهم، بطرق وأساليب تفوق التحمل ، منها التعليق بشكل مخالف الرجلين الى الاعلى والرأس تحت، والضرب المبرح،واحياناً ضرب المناطق الحساسة مثل الخصيتين التي هي اشد انواع التعذيب والوجع، وذلك بسبب أنهم يريدون أن ينتزعون من سعيد اعتراف بأنه منتمي الى جهة، او حزب يعمل ضد “حزب البعث ” وهو برئ، ولا أحد يسمعه، وهذا التعذيب هو جزاء براءته، لانهم لا يعرفون معنى هذه الكلمة.
ولفت الى ان الروائي استطاع أن ينقل لنا المعتقل والحياة فيه وعمليات التعذيب، بشكل واضح وصريح وجريء، وصل الى حد التفاصيل التي تثير الحنق والتذمر من تلك المعاملات ومنها نقل وقائع تعذيب لأحد النزلاء من اصحاب سعيد، وصل الى جلب أمه وتعريتها أمامه، الامر الذي حدى به، الى اخذ عبوة البانزين، وعلبة الكبريت وصبها عليه واحراق نفسه هروباً من هذا المنظر والمشهد الذي يفوق تحمل الانسان، وكذلك سوف نشهد تفاصيل تأزمية لحالة تعذيب سعيد،إذ أن بعد تفاصيل التعذيب التي قام بها طارش لانتزاع الاعتراف منه دون جدوى، يأتي دور احد الضباط المختصين بهذا الشأن.
وبين :لم يغفل الروائي موفق العيثان أهمية بناء الشخصيات وفق السياق الفني لسير العملية السردية ، وأنسجاما مع مجريات الاحداث، حيث نجد ملامح شخصية عملية بناءها وإنعكاس تأثيرات عمليات التعذيب على وضعه النفسي والصحي، الى حد وصل فيه الأمر أنه يجد صعوبة في محاولة النوم دون تفكير، وإذا نام فأنه يكون مع كوابيس مدمرة .
وختم :بعد تفاصيل متناوبة بين المعتقل والماضي، ينقل سعيد الى سجن آخر ومن هناك يطلق سراحه، ليعود حيث يعيش، ولكن إنسان آخر تشوه كل شيء فيه، أفكاره طموحاته لاكمال دراسته في الجامعة، روحه المحطمة ، فؤاده الجريح، وعقله المشوش، ظل يعيش حياة المعتقل، وصارت تلك الحقبة الزمنية أصعب ما مر عليه من قسوة وظلم وتهميش، وشرخ كبير في الروح، شأنه شأن الكثير من الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب المفرط الذي يفوق طاقة التحمل.



