من الذي ذبح معلّم التاريخ الفرنسي؟!

بقلم/ وليد القططي
في مثل هذه الأيام قبل عامين، مات المؤرخ الفرنسي روبير فوريسون، معزولاً مُهملاً في منزله بمدينة فيشي، فوريسون صُنّف فرنسياً من الإنكاريين الذين شككوا في الرواية الصهيونية للمحرقة اليهودية (الهولوكوست)، والإنكاريون وصمة سلبية في فرنسا تتناقض مع الحقيقة، فلم يُنكر هؤلاء المؤرخون المحرقة بالكامل، ولكنهم توصّلوا بعد المراجعة التاريخية والبحث العلمي إلى نتائج تؤكّد حجم التضخيم والمبالغة في عدد القتلى اليهود، وإثبات عدم وجود غرف الغاز.
الأكذوبة الصهيونية أصبحت في فرنسا وأوروبا بقرةً مُقدّسة، من يقترب منها يُحاكَم ويُجرَّم ويُشوَّه، أما الإساءة إلى خير البشرية وأعظم الرسل محمد (ص)، فحرية رأي وتعبير عند المؤسسة الفرنسية الرسمية وعلى رأسها إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية الخامسة.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يكاد يترك فرصة يستطيع فيها أن يُسيء إلى الإسلام ويُهين المسلمين إلا واستغلّها، ومقتل معلّم التاريخ الفرنسي صاموئيل باتي، ذبحاً على يد طالب فرنسي مُسلم من أصل شيشاني، بعد توزيع المعلّم رسوماً مُسيئة للنبي محمد (ص) على طلابه، تُعَدّ فرصة ذهبية له، حرّض من خلالها ضد الإسلام مُدافعاً عن الحق في رسم وتوزيع الصور المُسيئة باعتبارها حرية رأي وحق تعبير، قائلاً: “لن نتخلّى عن الرسومات والكاريكاتيرات وإن تقهقر البعض”.
ماكرون يُبرّر موقفه بأنه ينسجم مع قيم الجمهورية الفرنسية العلمانية، ومنها حرية الرأي، وهي قيمة جميلة وراقية، ولكنها تُطبَّق بانحياز ضد الإسلام والمسلمين، فهذه القيمة تتبخّر إذا كانت الحرية تُخالف الرواية الصهيونية، حتى لو راجعت حدثاً تاريخياً كالمحرقة يقبل الصدق والكذب، وحتى لو ناقشت قضية سياسية كالمقارنة بين الصهيونية والعنصرية تقبل الصواب والخطأ. وقيمة حرية الرأي والتعبير جميلة وراقية بشرط ألّا تتعدى على حقوق الآخرين أو تضرّ بهم – حسب كل قوانين الأرض – وهذا الشرط غير موجود في الرسوم المُسيئة التي تتعدى على حقوق المسلمين وتضُرّ بهم معنوياً لمساسها بأهم رموزهم الدينية.
نخر النموذج الوهابي سوس التكفير والتفجير عقول عشرات الآلاف من الشباب المسلمين فحوّلهم إلى قنابل موقوتة تنتظر صاعق التفجير، عندما قامت مدفوعةً برغبة صهيونية متوّحشة بتدمير الوطن العربي لصالح الكيان الصهيوني بالسماح للآلاف منهم بالسفر والقتال في سوريا وغيرها. وعندما انتهت صلاحيتهم القتالية رُدّت بضاعتهم إليهم، ومن قبل ذلك، هذا ما اعترف به حاكم السعودية الجديد محمد بن سلمان من أن بلاده نشرت النموذج الوهابي في العالم لمواجهة النفوذ السوفياتي ثم الإيراني.
معلّم التاريخ الفرنسي ذُبح بسكين التطرف الذي صنعته بلاده بعلمانيتها المُتطرفة المُعادية للإسلام والرافضة للمسلمين، والتي ساهمت في صناعتها ونشر نموذج مُتطرف للإسلام أنتج “القاعدة” و”داعش” وأخواتهما.
هذا التطرف الذي تشرّبه صاموئيل باتي، خدعه وانقلب ضده. فجعله يعتقد أنَّ الإساءة لنبي الإسلام محمد (ص) هو حرية رأي، وأن تحقير معتقدات المسلمين هو حق تعبير، وأنَّ إهانة مشاعر المسلمين هي حرية شخصية. هذا التطرف هو الذي ذبحه، وهو الذي يعتبره رئيسه ماكرون قيمة ديمقراطية ومنهجاً لمحاربة التطرف والإرهاب، مُتجاهلاً حقيقة أنَّ الرسومات المُسيئة هي أعلى درجات التطرف وأخطر أنواع الإرهاب، بما تحمله من دلالات تطرّف ضد الإسلام، وبما ينجم عنها من إرهاب نفسي وفكري للمسلمين من خلال ترويعهم، وترهيب غير المسلمين بصورة المسلم المخيف.
وبعد كل ذلك وما سبق، من المفيد أن نسأل أنفسنا كمسلمين: ألم يكن هناك طريقة للدفاع عن الإسلام أفضل من الذبح؟! ماذا لو قمنا بحملة إعلامية باللغة الفرنسية توضح إنسانية الرسول (ص) ورحمة الإسلام؟! ولكي نُفكر بطريقة أفضل، دعنا نردّد قصيدة الشاعر المصري فاروق جويدة التي كتبها رداً على كتاب (آيات شيطانية) لسلمان رشدي قبل أكثر من ثلاثة عقود ومطلعها : “في زمن الردة والبُهتان… اكتب ما شئت ولا تخجل.. فالكل مُهان… واكفر ما شئت ولا تسأل… فالكل جبان”. وختامها: “فمحمد باقٍ ما بقيت دنيا الرحمن.. وسيعلو صوت الله.. ولو كرهوا.. في كل زمان ومكان”.



