علوَّاه على صدام!

قاسم العجرش…
ثمة نقاط سبقتنا إليها شعوب كثيرة،هذه النقاط من الأهمية لأن لها جدواها في صناعة مستقبلنا.. أول هذه النقاط، أن الدولة الحديثة يحكمها الــنـظــام ولـيس الأفراد.
والثانية أن قيادة الدولة تحتاج إلى أدوات كثيرة، من بينها المسؤولية القوية!.لكنها يجب أن تكون مسؤولية منضبطة، بحيث لا يُخشى من أن تتحول إلى قاعدة للاستبداد، بل هي مسؤولية أخلاقية قوية، قادرة على صيانة الحريات وحمايتها من تغول رجال الدولة ذاتها!.
وثالثها أننا إذا كنا مجتمعا متحضرا، فإن المجتمع المتحضر لا يحتاج إلى أن ينظمه أحد بالعِــصيّ، ومعنى هذا أننا نريد عصا تصون الحرية، ونريدها عصا ناعمة، وأن “تعمل” إلى حد لا تتحول فيه إلى عصا مستبد..فعصا المسؤولية ـ كما يتخيلها الكثيرون ـ يجب أن تكون غليظة!. وهو تخيُّلٌ يتضمن كثيراً من الإهانة للمواطن، وهنا مكمن الخطأ.!
إن الديمقراطية لا يمكن أن تبنى بدون أن تُحمى، فلسنا في المدينة الفاضلة، حيث يعرف كل مواطن ما له وما عليه، وحيث تترك فيه البيوت مفتوحة ليل نهار، ناهيك عن أن الديمقراطية لها أعداء هم أولئك الذين لم يعتادوا أن يشاركهم أحد في ماعونهم..!
لقد وجدنا أنفسنا في وضع سياسي معقد، وأسدلت فيه ستائر سميكة على أفعال الساسة، فغابت الشفافية بشكل يكاد يكون مطلقا، وضع يفتقر فيه الساسة قبل غيرهم، إلى وعي المواطنة والشعور السليم بالمسؤولية، وحتى ما هو معلن من قبيح أفعالهم لا يخجلون منه، بل يُسوِّغونه لأنفسهم وكأنه حسن..والسبب غياب العصا الغليظة، إنها العصا الغليظة التي يحتاج إليها كبار المسؤولين فضلا عن صـغـارهم. لا ليستعملوها بل لتستعمل معهم..!
ولذا تسمع من هذا المواطن أو ذاك، أن الأمن كان أكثر استقرارا قبل 2003 من الآن بكثير، وتسمعها أيضا من مثقفين، بل إن كتابا وصحفيين يتداولونها في كتاباتهم، والحق أن الإرث الثقيل الذي نحمله، هو أن الحرية التي تنبثق عنها المسؤولية، لم تكـن يومـاً عــنصراً حاضراً في ثقافتنا، بل كأن ما يحضر هو العصا الـغـلـيظة بكل أشكالها، وفي الذاكرة “دونكي” الشرطي “أبو الواشر” في عهد نوري السعيد، والمسدس طارق بغلافه الجلدي الأحمر” أبو الشراشيب: الذي يتدلى على ساق الرفيق أبو عروبة، ببدلته الزيتونية رمز قوة الاستبداد الصدامي !
لو كانت الحرية منذ البداية تشكل العنصر المركزي في تربيتنا، لما بكى بعضنا على الاســتـبـداد الصدامي، بكل قيحه وآثامه! حيث لا يرون في غيره الأمـن والأمـان. إذ تم ربط الأمـن بالاستبداد، بحيث لا يمكن فصل الواحد عن الآخــر.
هؤلاء تدبغت جلودهم على الاستبداد، إلى حد لا يتصورون معنى للحياة بدونه، تماما مثلما لا يرى جوكري تافه معنى للحياة بدون احتلال أمريكي مباشر هنا في العراق، واحتلال فرنسي مباشر كما في بيروت، والنتيجة أن كلا الصنفين، يقفان في صف واحد ضد القوى الديمقراطية، التي تؤمن بتداول سلمي للسلطة،ـ عبر صناديق الاقتراع، وليس من خلال التزوير، وحرق مخازن صناديق الاقتراع، كما جرى في المرة السابقة!
إلى أي مدى يُـعـدُّ هذا التصور صحيحا ومعقولا؟ هذا هو السؤال الذي لا يستطيع أحد الإجابة عنه، ما لم نُربِّ مجتمعنا على العيش بلا عصا، وتلك هي المعضلة…!
كلام قبل السلام: إذا ذكرت الذئب فأعد له العصا!!
سلام.



