أبواب وشبابيك

عبد شاكر
ناموا على سكرهم ومجونهم وجرمهم وخداعهم، أيقظهم الصباح الغريب على ورطة لا حلّ لها. فمصابيح الغرف وأجهزة التكييف مطفأة ولا سبيل لتشغيلها، والأبواب والشبابيك مؤصدة لا سبيل لفتحها أو تحريك وتدوير مقابضها، نادى الجميع على الجميع، ثم تحولت المناداة إلى صراخ هستيري مغلف برعب لا يوصف، لم يكُ من سبيلٍ لسماع تلك النداءات والصرخات عبر الغرف والبيوت التي يتقاسمونها مع كل الذين وجدوا أنفسهم على الحال نفسه، فلا مصابيح كهرباء ولا أجهزة تكييف تعمل ولا أبواب وشبابيك تُفتح ولا مقابض تتحرك في أماكنها ولا سبيل لهم أيضًا بإيصال نداءاتهم وصرخات الاستغاثة لمن يقاسمونهم الغرف والبيوت نفسها. دبّ الرعب في قلوب وجوارح الجميع، بينما الصباح الثقيل يُلقي برتابته ورعبه على الأعين والأنفس والصدور والقلوب والجوارح. لا أوراق ولا أدراج مكتبية تُفتح، لا أقلام تكتب، لا هواتف نقّالة يمكن لشبكات الاتصال فيها أن تؤّمنَ اتصالًا ولو للحظات وامضة. لا شيء غير الصمت المُطبق والعُتمة المتزايدة والثُقل الذي يجثم على الصدور. ثمّة أمر آخر أكثر إيلامًا ومَكرًا ورُعبًا، لا أحد يمكنه التواصل مع أحد حتى لو كان يراه أو يُشاركهُ سرير الإثم نفسه أو الغرفة نفسها، حتى عقارب الساعة لم تكُ لتُشير إلى وقتٍ أو تاريخٍ أو درجةِ حرارةِ أو رطوبةٍ ما. لاشيء غير السكون، وأنفسٌ لا عدَّ لها تحاول بشتى الطُرق التخلص من الأحوال التي وُضعتْ فيها ومواصلة العيش والانغماس في سمفونية الحياة وشبكات وتفاصيل الأعمال اليومية التي تُشّكل سرّ وجودهم كُلٌّ بحسبِ طبيعةِ عمله، فلا الطبيب ذهب إلى مشفاه، ولا التدريسي إلى قاعة علمه، ولا الجندي إلى ثكنته أو ساتره، ولا المومس إلى مواخير دعارتها، ولا المُعمم إلى “برّادات رياءه”، ولا الفلاّح إلى مزرعته، ولا العامل إلى مصنعه، ولا المتسول إلى أماكن الشحاذة، ولا الجميلات أو المتصابيات استطعنَ أن يتعطرنَ ويتزينَّ ليذهبنَ إلى شوارع الإغراء والرذيلة، ولا الساسة وجدوا سبيلًا لاستمرارية صراعاتهم وديمومة مؤامراتهم وهم يتصارعون على مجد السلطة وبهاء المناصب والكراسي. لا ملامح لحياة اعتيادية، فلا الطيور طارت، ولا العصافير زقزقت، ولا الأشجار تمايلت بأغصانها عند هبوب نسائم الصباح، ولا الأنهار والبحار تحرك موجٌ فيها، ولا الشمس أشرقت، ولا صوت لتنفس الحياة. الملايين انشغلت بصراعاتها مع عتمة الغرف والأبواب والشبابيك المؤصدة والحر الخانق. صراعٌ استمرّ طويلًا فاستنزف القوة والطاقة والإصرار وردّات فعل الخوف والهلع الذي تلبسّ الجميع حدّ الإعياء. في فترات بعيدة لاحقة، عندما غامَ ألق الأعين وسكن وجيب القلوب واستسلم الجميع تحت وطأة الخنق الذي لا يُوصف شرعت الأبواب والشبابيك بفتح “كُوى” صغيرة بدت الواحدة منهنَّ بحجم خُرم الإبرة الكبيرة ثم سرعان ما اتسعت حتى أصبحت بمقدار قبضة الكف لتدخل منها أغرب الروائح، روائح نار وحطب وبارود وشواء بشري، ثم اندلقت منها خيوط دماء وصديد ولحوم بشرية مفرومة لتدخل هذه الغرف المؤصدة وتشيع الرعب والغرابة والتساؤل للمسجونين فيها. استطلعت تلك الجموع المليونية الأمر وقد هالها ما ترى، لكن ” الكُوى” سرعان ما اتسعت لتصبح بمقدار فتحة دائرية تسمح بالهرب. انطلقت الجموع فارة من جحيم تلك الغرف وقد تملكها رعب مهول، وبصيص أمل بعدم فقدان أي شيء من مكتسبات وملذّات الحياة.
انبسطت أمام الجميع طرقات مخيفة معتمة ضيقة ضاجة بالروائح الكريهة والمشاهد المقززة، لكنهم مشوا من خلالها، ثم هرولوا، ثم أطلقوا أرجلهم للريح هربًا بكل ما في الحياة من ملذّات لا تُوصف. وكلما ازدادت قوة الجري لديهم انبسطت الطرقات الموحشة أمامهم فبدت كأن لا نهاية لها. أصيبت الجموع بالإعياء والاختناق، الجميع صار يستجدي قبضة هواء عابرة ليستنشقها ملء رئتيه. شارفت الطرقات على النهاية، استجمعت تلك الطوابير البشرية آخر ما بقي لديها من قوة وأمل حتى بلغوا النهايات أخيرًا، لكن تلك النهايات الشاقة سرعان ما شكلت لهم بداية للخيبة والانكسار بأشكال لا تُوصف عندما وجدوا أنفسهم وسط الغرف نفسها، الغرف التي فّروا منها إليها، إذ عادت الأبواب والشبابيك لتؤصد بإحكامٍ أكثر وأقسى، ليجدوا أنفسهم يسكنون غرفًا من نارٍ ولظىٍ كريهة الروائح، رهيبة الأوار، وقد انغمسوا فيها خارج الأزمنة والحُقُب بعيدًا عمّا يمكن تسميتهُ بالحياة. كانت ثمة أعمدة من نار موقدة تُصبّ على كل واحد منهم لتورده إلى هاويةٍ لا مستقرّ لها، وتذيقهُ من ألمٍ لا يُطاق. هم الآن خارج نطاق حقيقة الحياة، يحاولون فهم هذا الواقع الجديد الذي لا ملاذّ فيه ولا أزمنة ولا تقاويم.



