الإعلام الأميركي والعنصرية وحكايات ترامب

بقلم/ عبير بسّام
أشعل مقتل جورج فلويد، في 25 أيار/ مايو في الولايات المتحدة الأميركية الشارع من مينابولس في ولاية أتلانتا إلى كبرى المحافظات الأميركية. وقد بلغ عدد المدن التي خرجت في التظاهرات نحو 140 مدينة في مختلف الولايات الأميركية. تتبعت المحطات الأميركية عن قرب أخبار ما يحدث في أمريكا، كما تابعت احتلال العراق في العام 2003. لعشرة أيام، 24 ساعة مستمرة حول أخبار المظاهرات، التي اجتاحت أمريكا والعالم: في أوروبا وكندا واستراليا، ضد العنصرية في بلادهم.
ركز الإعلام الأميركي في نقله على موضوع العنصرية، القضية التي تؤرق مضجع الشعب الأميركي منذ تأسيس أمريكا وحتى اليوم، والتي تتجلى من خلال الاعتقالات والملاحقات التي تقترفها الشرطة الأميركية للأميركيين الملونين، أو للذين لا ينتمون للعرق الأبيض. ولكن الملفت اليوم أن المظاهرات التي تجتاح أميركا أشعلها الفيديو الذي صور جورج فلويد في لحظات حياته الأخيرة وهو يصرخ: “سيدي، أنا لا أستطيع التنفس”، دون أن يلقى ذلك أذناً صاغية من ديريك شوفان، الذي كان يضغط على عنقه بركبته والتي حملت ثقل شوفان كاملاً، ودون أن يلقى أية مساعدة من أفراد الشرطة الآخرين وهم توماس لاين، وتو تاو، و جي. اليكسندر كويج.
منذ اليوم الأول، نشرت الصحافة الأميركية أسماء الأفراد جميعاً، وهي تنقل التصريحات من المشاركين من المظاهرات ومن رجال دين ورياضيين وسياسيين وحقوقيين وخبراء الطب الجنائي، حول مسؤولية كل منهم في مقتل فلويد. الملفت اليوم هو انفتاح الإعلام الأميركي على الحديث عن العنصرية السائدة في أمريكا وبحسب الـ CNN قد دفع بالعديد من المواقع الإلكترونية للحديث عن الموضوع وعن استخدام التعابير التي تدفع نحو محاربة العنصرية في أمريكا، وهذا لم يتوقف على مواقع التواصل الاجتماعي مثل آمازون وPen Pal والفيس بوك وانستغرام وغيرها، وأن المظاهرات تجاوزت في امتدادها إلى العالم الغربي والمتحدث باللغة الإنجليزية، والتي قالت عنها الـ CNN إنها امتداد للمظاهرات في أمريكا. واليوم ابتدأ انتاج الفيديوهات والتي تعرضها الشاشات الأميركية والتي تحث على وقف العنصرية والوحشية التي تتعامل بها الشرطة الأميركية مع العرق الأميركي الأفريقي ويظهر بها أبطال من “NBA“، الوكالة الوطنية الأميركية لكرة السلة، والتي طرحت شعار “ماذا لو كنت أنا جورج فلويد؟” وأعيد إحياء القصص التي تتعلق بقتل العديد من الشباب الأميركي ذوي البشرة السمراء على يد أفراد من الشرطة، ومنهم “أحمد آربري” والذي أهملت قضيته في شباط/ فبراير الماضي. ومن الملفت أيضاً أن الإعلام الأميركي لا يطالب بإسقاط النظام وإنما يقف وراء المطالب بتغيير النظام العنصري، من خلال عبارتين هامتين: “في بلدنا مؤسسات ودستور يجب تفعيلهما من أجل إقامة العدالة، وأن وقت التغيير قد حان”. وهي لغة تختلف عما يتداوله حول المظاهرات في العالم الثالث.
تقاطعت المظاهرات مع مرحلة حساسة يمر بها العالم اجمع ومنها الولايات المتحدة، وهي جائحة كوررونا، وأن “الأزمة” وبحسب تعبير الصحافة الأميركية جاءت في وقت يفرض فيه حظر التجول في معظم الولايات الأميركية والتي تمنع التجمعات الناس وتفرض حظر التجول ابتداء من الساعة الثامنة مساءً. ومخالفة حظر التجول تفرض غرامة مقدارها 1000$ وسجناً لمدة عشرة أيام، ورغم ذلك اكتظت السجون بخارقي هذا الحظر، وقد أبدى معظم حكام الولايات تخوفهم من انتشار الفايروس في داخل السجون.
استفزت محطة FOX NEWS ترامب عندما أشاعت أنه يختبئ في ملجأ البيت الأبيض تحت الأرض، خوفاً من المظاهرات. جاء ذلك في تقرير نشرته الـ “NBC“. فجاء جواب ترامب في 1 حزيران/ يونيو، عبر خروجه من البيت الأبيض سيراً على القدمين، وخلفه عدد من مسؤوليه ومنهم مارك اسبر وزير الحرب، وتوجه الموكب عبر حديقة لافييت المحاذية للبيت الأبيض، إلى كنيسة القديس لويس، حيث دفع الحرس الوطني المتظاهرين وأطلق عليهم الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ليؤمن عبور ترامب الآمن إلى كنيسة سانت لويس، ليأخذ ترامب صورةً تذكاريةً ليثبت عدم اختبائه. موقف ترامب أجج المشاعر ما بين المتظاهرين، وأوقعه في فخ وعبر الإعلام الأميركي حيث ابتدأت اللقاءات مع رجال الدين وسياسيين وغيرهم للتنديد بعمل ترامب وبتعدي رجال الأمن على المتظاهرين. وتوالت التصريحات المعارضة له من قبل الديمقراطيين من أعضاء في الكونغرس ومن الديمقراطيين، والأهم رجال الدين الذين صرحوا بأن ترامب رجل لم يكن يوماً متديناً وأنه لم يحضر قداس الأحد يوماً في حياته.
لم يتوانَ ترامب عن الاتهام بوجود أياد غريبة تتدخل من أجل تأجيج الاضطرابات في المظاهرات، والتي كان لها وقعها الكبير، وتناول الإعلام أعمالا وصفها بالنهب والسرقة واشعال الحرائق وإطلاق النار على أفراد من الشرطة الأميركية في مختلف المدن الكبيرة وخاصة في مدينة نيويورك وفي شوارع منهاتن، المدينة التي تنشط فيها صناعة العقارات الترامبية!.
حاول الإعلام الأميركي التعامل مع هذه الأحداث بما يسمى “الموضوعية”، من خلال عرضها وعرض ممارسات رجال الحرس الوطني في التعامل الخشن مع المتظاهرين. هذا الموقف أجج صراع الجبابرة الذين كان لهم حصة الأسد في الإعلام الأميركي وبخاصة السياسيين الذين استفادوا من الوضع للتعبير عن المواقف التي استفزها ترامب، عندما قال: “إن أمريكا باتت ساحة حرب”.
كان هناك العديد من ردات الفعل على قول ترامب وعلى طلبه تدخل الحرس الوطني للسيطرة على المحتجين، خاصة وأنه هدد حكام الولايات بنشر الجيش إن لم تستجب لطلبه. هذا الكلام دفع العديد من القادة العسكريين لرفض موقف ترامب. موقف أفسحت له الصحافة الأميركية مجالاً واسعاً واستدعت الخبراء وخاصة السياسيين والحقوقيين للحديث عنه. ولكن في نهاية هذا السجال والذي أشعلته وبشكل مفاجئ مواقف وزير الحرب السابق جيم ماتيس والذي اعتبر أن ترامب أول رئيس يعمل على تفرقة الأميركيين بدلاً من جمعهم، وهو كلام وقفت عنده الـ CNN طويلاً.. لم تتظهر بعد.
ترامب اتهم في 5 حزيران/ يونيو بأن المتظاهرين هم مجموعة من الإرهابيين واللصوص، بسبب عمليات السرقة والنهب التي سادت، وقال إن هناك أياديَ خارجية تعبث بأمريكا. هذه التصريحات المستفزة للمتظاهرين وغيرها بالطبع كانت على شاشات التلفزيونات. تجنب الكثير من المحليلين الوقوف إلى جانب ترامب تماشياً مع الرأي العام الذي يبنادي بالعدالة لجورج فلويد وبوقف الممارسات العنصرية في أمريكا. وفي حين عرضت الـ CNN تقريرها حول اختلاف نسب التعليم والفقر والبطالة والدخل ما بين البيض والسود، فإن جريدة أخرى مثل “نيونيورك تايمز” نشرت مقالاً افتتاحياً لتوم كوتون طالب فيه بتدخل الحرس الوطني الأميركي من أجل إيقاف أعمال الشغب. أثار المقال حفيظة زملائه في الجريدة والذين اعتبروا أن كولون يضعهم في موقف سيئ مع المتظاهرين وقد يعرضهم لأعمال عدائية. هذا الخبر أبرزت له “FOX NEWS” مساحة هامة في موقعها وعبر شاشتها.
صحيح أن المظاهرات السلمية التي تجتاح أمريكا اليوم ما زالت مركز الاهتمام الأول في إعلامها، لكن الـ CNN وهي تمثل ما تمثل كجهة إعلامية اميركية انتقلت من العنوان الصغير الذي وضعته في أسفل الشاشة اليمنى من “أمريكا في أزمة”، وخاصة بعد جنازة فلويد في الرابع من هذا الشهر، إلى إصدار عناوين أخرى إلى جانبها تبدلت بحسب المواضيع من “تطورات القصة” والتي تخص موضوع المظاهرات الأميركية، أو “جائحة كورونا”، أو الرياضة، أو العالم.. “NBC NEWS” تناولت موضوع المظاهرات التي جاءت نتيجة لمقتل فلويد تحت العنوان نفسه. في حين أن “FOX NEWS“، لم تذيل شاشاتها بأي عنوان محدد خلال العشرة أيام الماضية، وهذا مؤشر إلى خفض الاهتمام.



