الأرض التي تكفي الجميع
رعد الفندي
تجتمع عائلتنا الكبيرة كل يوم جمعة في بيت أبينا ، لقاء حميم يجمع الأخوة ، وقرارات حكيمة لمعالجة متعلقاتنا العائلية ، غالبا ما تصدر على مائدة الطعام الطويلة المفروشة على الأرض .
يجلس الرجال الأخوة في صف واحد وبجانبهم أولادهم وأبناء الأخوات ، أما النساء من الأخوات والزوجات والبنات غالبا ما يجلسن في الجانب المقابل ، فيما يتوسط الوالدان مقدمة المائدة ، رغم أن المحفل يعج بضوضاء الأطفال ، لكنه يمنح بعض الراحة والألفة ، طلب الحاج من الجميع الإنصات إليه عدة مرات قبل البدء بالطعام ، لكنه لم يفلح في إسكات الصغار ، صلى على النبي محمد ( ص ) قبل البدء بالحديث :
– ابتعت لكم أرضا واسعة ، أظنها تكفي للجميع ، لم أسدد أجرها بالكامل حتى الآن ، هل يمكنكم مساعدتي على دفع مستحقات ما تبقى ؟
سُر بعضنا بالخبر والبعض الآخر مَن منعته الضوضاء لمعرفة ما قاله الحاج ، استدرك الحاج الأمر:
– إذاً لنؤجل مداولة الموضوع عند تناول الشاي ، بعيدا عن أطفالكم ، أراكم لم تحسنوا تربيتهم كثيرا ، هيا : تفضلوا لتناول طعامكم …
ازداد الضجيج و كثر التهامس ، حتى وصل الخبر للجميع ، بانت المسرة على وجوههم خصوصا و أن أغلب أخوتي لا يملكون دارا ، الأمر الذي جعلهم غير مهتمين بالطعام ، بقدر شوقهم و على أحر من الجمر لمعرفة نصيبهم من تلك الهبة ، همس لي احد الأخوة الملاصق كتفه بكتفي :
– لا نسمح لأبي أن يمنح حصة لأخواتي ، كما أن البعض من أخوتي يمتلكون أطيانا كثيرة ، أرجو أن تقنعه ، كونك الأخ الأكبر على تخصيص تلك الأرض للمحرومين وضعفاء الحال منا، هل أنت معي بهذا الرأي ، أراك صامتا ؟
لم أعقب على رأيه بشيء ، أثارت أختي الكبيرة الجميع بعد أن بان على وجهها السرور:
– أبي ، أطال الله عمرك ، سبحان الله ، نويت وزوجي ، تزويج ابننا البكر …
رد الحاج عليها والطعام في فمه :
– مبارك بنيتي ، وفق الله سعيكم .
الأمر الذي جعل الحضور ، يتخذون من الإشارات ، و ندس أجناب بعضهم بعض لإيصال رسائلهم المختلفة الأغراض ، كانت الحاجة في ذهول رغم قربها من الحاج ، وعدم تعقيبها على الأمر ، إلّا إنها كانت مشغولة بخصام الزوجين ، ابنتي وابن أخي الذي طال كثيرا :
– أما آن الأوان لتقريب وجهات النظر بينهما ، أليس فيكم حكيم ، رشيد لإصلاح ما فسد ؟
ردت زوجة أخي عليها :
– عمتي ، أظن أن المشكلة قد انتهت بوجود الأرض الذي ابتاعها الحاج !
صمت الحاج قليلا بعد أن أكمل مضغه ، بان عليه الذهول :
– وما علاقة الأرض بصلح الزوجين ؟
كسرت صمتي متحدثا بعصبية ردا على زوج أخي :
– أبي ، هذه المرأة جاحدة ، تريد فصل الابن عن أبيه ، أبي : أرجوك ، أنا وعائلتي لا نريد من الأرض شيئا !
ازدادت الفوضى ومازال الحاج مذهولا ، اخرس أخي زوجه ، طالبا منها الصمت ، تركت المائدة متباكية ، كثرت الطلبات والاعتراضات ، وساد الضجيج عاليا ، أخيرا صرخ الحاج بالجميع بقوة :
– عن أية أرض تتحدثون وتتخاصمون ، كل ما في الأمر ، ابتعت أرضا في المقبرة تكفي لدفن الجميع !



