عقل معطوب
باسم القطراني
قرر بصورة نهائية ان يعرض عقله للبيع ، قرار اتخذه عن قناعة تامة ، بعد ان اجرى تقييما شاملا واختبارا لمدى صلاحيته فاكتشف بأنه لم يعد يعمل كالسابق ، ذاكرته شبه ممتلئة ، ثقوبه مسدودة تقريبا ، يرسل بأستمرار اشارات او ايحاءات تدل على قرب نفاد صلاحيته ، حتى ان اسماءً وحوادث مهمة بدأت تتقافز من صندوق ذاكرته الى الخارج مما يسبب احراجات دائمة في مواقف كثيرة .
كل هذا راوده اثناء دخوله سوق بيع العقول المزدحم ، بصعوبة بالغة وجد مكانا يعرض فيه عقله ، افترش الأرض في زاوية من زوايا السوق ، أخرج منديلا ، فرشه على صندوق صغير ، ثم نزع عقله ووضعه فوقه ، ثبت ورقة من الكارتون المقوى اسفل الصندوق مكتوب فيها :
(عقل بنصف عمر ، يكفي ان تمسح عنه غبارحروب وحماقات وأزمات شتى وستجده يعمل)..
بدا الجو صاخبا ، اختلطت فيه اصوات الباعة وهم يروجون لتجارتهم ، في حين شعر المتبضعين بين آونة وأخرى بشحنات ووخزات خفيفة في جبهاتهم ، لم يكن ذلك مقلقا ، فهو ناتج عن إشارات ضعيفة تشبه الواي فاي ترسلها العقول المعروضة فيما بينها في محاولة لأثبات قدرتها على العمل من جديد مما يشجع البعض على الشراء .
هذا الصباح بدا السوق كاسدا ، على الرغم من كثرة مرتاديه ، فالأقبال على شراء العقول كان ضعيفا في ظل تسارع الأخبار التي يتداولها الناس عن قرب نهاية العالم بفعل زلازل وفيضانات ، ومخاطر كبرى ، الغموض يكتنف مصير الكون لذا آثر اغلب الناس الأحتفاظ بعقولهم رغم تلف اجزاء كثيرة منها .
مع قلة خبرته في بيع العقول ، كونه يعرض بضاعته لأول مرة ، غير ان زياراته المتكررة للسوق جعلته يراقب مايحدث ، ينصت لحوارات ومماحكات خلقت في داخله تصورات عن انواع العقول واسعارها ، ناهيك عن معرفة اساليب المتصيدين في الماء العكر ، الذين يحاولون الضحك على الذقون ليشتروا العقول الصالحة بأرخص الأسعار ..
كان المارة يقفون امام بضاعته يقلبونها ، يختبرون مدى صلاحيتها وفق طرق مختلفة وسرعان ماينصرفون وبعضهم يعطون اسعارا زهيدة لاتمكنه من شراء عقل جديد .
ياللخيبة ، الوقت يمضي دون فائدة ، لم يُعجب احد ما بعقله في زحمة اكداس من العقول المعروضة ، علاوة على سعي تجار الجملة لبيع عقول تجارية بأسعار مغرية جدا . اصبح على قناعة بقرب ارتدائه لعقلة مرة اخرى ، فذروة السوق قد خفتت مع انتصاف النهار حيث بدأ الكثير من مرتادي السوق بالأنصراف وبعض الباعة قاموا بلملمة بضاعاتهم وغادروا ..
حين همَّ بأرتداء عقله من جديد، اقبل شخص توحي اماراته بأنه مجنون ، ثيابه رثة وشعره الأشيب منسدل على كتفيه ، لم ينطق شيئا ، تلمّس العقل برفق ، تفحصه طويلا وفجأة ركله برجله :
– ماذا تفعل ايها المجنون ، سينكسر !!!
– لا عليك يارجل ، عقل لابأس به فعلا ، يصلح لي تماما ، لكني لا املك مالا ..
– وكيف ستشتريه اذن ؟
صمت المجنون قليلا ثم قال :
– اسمع ياهذا ، اقترح عليك ان نتبادل عقلينا ، رأس برأس ، وستكون انت الرابح بالتأكيد ..
– كيف ذلك وانا سأستبدل عقلا صالحا بآخر مجنون ؟!!!
ابتسم المجنون وقال :
– حين سترتدي عقلي ستعرف الفرق ، سترى الأشياء مختلفة ، لن يشغل بالك شيء على الأطلاق ، لن تهتم مهما حدث ، واكثر من ذلك ستمتلك مشاعر رائعة عن اشياء تافهة ..
بدت الحيرة على وجه الرجل ، هل سيغامر ؟ من سيضمن له المستقبل ؟ رغم كل هذا قال :
– موافق …!!!
على الفور استبدل الرجلان عقليهما ، تصافحا ، وافترقا في زحمة السوق …
شعور مختلف ينتابه الآن ، قناعات جديدة ، ذاكرة تمسح مايصلها بسرعة مذهلة ، ترى اين هو الآن ؟ لم يعد ذلك مهما ..
حين غادر السوق على عجل ، لمح الرجل العاقل الذي استبدل عقله معه قبل قليل ، بدا قلقا ، مرتبكا ، وما اسرع ان ابتلعه الزحام ..



