أصحاب الكهف في زمن كورونا!
حسين محمد
مرحبا أيها الرجل مالي أراك أشعت أغبر كأنك أقبلت من بلاد بعيدة ؛ وتقاسيم وجهك تخفي وراءها أسرارا عجيبة لا يعلمها إلا الله ؛ حدثني أيها الغريب ما خبرك ؟.
لا يا سيدي ليس كما قلت ؛ بل أنا من هذه البلاد ولدت فيها ونشأت بين زقاقاتها كم لعبت الكرة مع أصدقائي في ملعب الحي ؛ وكم تغنينا بالأناشيد في المدرسة ؛ كان المعلمون طيبين جدا ؛ ناهيك عن عجائز الحي كن دائما يقدمن لنا الحلوى مقابل أن نجلب لهن ما يردن من عند البقال ؛ كنا لا نتعب من الجري في مساحات هذا الشارع ؛ نعم كان ذلك كله هنا في هذا الحي ؛ غير أني لا أرى تلك الوجوه التي كنت أعرفها ؛ العجوز التي كانت تجلس في تلك الزاوية ؛ وبائع السمك الذي كان يجوز هذا الشارع كل يوم قائلا ( هااااااالحوت ) ؛ معلمنا الذي كان يترك سيارته قرب الصيدلية ؛ وأين منزلنا ؟ أين رحل كل أولئك الذين كنت أعرفهم ؟ ماذا جرى يا أخي ؟ فأنا لا أدري ما حدث منذ أن تزعزع العالم بذلك الطاعون ( كورونا ) ؛ لا أتذكر سوى أني فررت مع شخصين صادفتهما في الطريق إلى جبل في الغابة عندما رأيت الشرطة تدفن الناس في مقبرة جماعية ؛ والتجأنا بكهف عميق هنالك ، كان الرجلان غريبين عني إلا أنهما طيبان خصوصا ( سيدي الحاج) كان رجلا رزينا صوفيا لا يتوقف عن التسبيح ؛ كنت أحدثه بعدد الأموات الهائل في العالم الذي أسمعه من خلال مذياع كان معي فيتبسم ويقول : لا تخف يا ولدي من الموت ؛ لقد شاركنا في الحربين العالميتين وكنا في الصفوف الأمامية حيث يهطل الرصاص كزخات المطر وما من وجل ليدب إلى قلوبنا ؛ فما أن أسمع تلك الحكايات حتى يذهب خوفي ؛ وكان الرجل الثاني صيادا تعلمت منه كيف أعيش في الغابة ؛ كنا نترك الشيخ في الكهف ونغدو للبحث عن طرائد ؛ كانت أعداد الإصابات بالآلاف هذا آخر ما سمعته من مذيعة القناة الثانية ؛ قبل أن تنفد بطارية مذياعي ؛ مرت سنوات عديدة ؛ وفي صيف لا أدري في أي سنة ، كنا نائمين خارج الكهف لنتنسم بعض الهواء البارد فاندست أفعى سوداء في جلباب الصياد وما كاد ثلث الليل الأول ينقضي حتى سمعنا صيحة مدوية ؛ إنه الصياد لقد لسعته تلك السامة ؛ كان الظلام قاتما وكنت أرتعد من الخوف وسيدي الحاج أخذ يشق عنق الصياد حيث عضته الأفعى ؛ يمص السم ويلفظه وهو يقول : “اللهم صل على محمد وال محمد” ولم تمض إلا أيام قليلة ومات الصياد فتوليت مهمته ؛ وبينما أنا راجع إلى الكهف في يوم مثلج وقد صدت أرنبا وبعض الطيور ؛ وجدت سيدي الحاج مستلقيا على غير عادته ؛ كانت حرارته مرتفعة ؛ دنوت منه فأمسك يدي وقد لمح الخوف في وجهي ويقول لي : أصمد يا بني فإن هذه الجائحة التي تصيب العالم ماضية ولن يتوقف الكون بسببها ، إنما ستجدد الأرض والبشر ؛ سيأتي من المستقبل جيل صالح يحترم الله ويحترم الإنسان ؛ جيل يعشق العدل والسلام وينبذ الظلم والحروب ؛ جيل طاهر يابني وما إن وصل لهذه الكلمة حتى خرجت روحه ، ومن ثم بقيت في الغابة أنتظر أن يدخل شخص إليها لأسأله ولم يأت أحد حتى ظننت أن البشر انقضى من على الأرض واليوم فكرت أن أخرج منها وأجس الواقع كيف يسير فلمحت من سفح الجبل صبيانا يلعبون في الشارع وعلمت أن شيئا ما تغير .
عجبا ما تقول أيها الرجل لقد مضى على جائحة كورونا أكثر من عشرين عاما ؛ لا أصدق ؛ هل تقول إنك مكثت في الكهف عشرين عاما ؟ ؛ إن هذا لشيء عجيب .



